بني المصطلق في سنة خمس من الهجرة ، وكان رسول الله « صلى الله عليه وآله » خرج إليها فلما رجع منها نزل على بئر ، وكان الماء قليلاً فيها ، وكان أنس بن سيار حليف الأنصار ، وكان جهجاه بن سعيد الغفاري أجيراً لعمر بن الخطاب ، فاجتمعوا على البئر فتعلق دلو ابن سيار بدلو جهجاه ، فقال سيار دلوي وقال جهجاه دلوي ، فضرب جهجاه يده على وجه ابن سيار فسال منه الدم ، فنادى سيار بالخزرج ونادى جهجاه بقريش ، وأخذ الناس السلام وكاد أن تقع الفتنة ، فسمع عبد الله بن أبيّ النداء فقال : ما هذا ؟ فأخبروه بالخبر فغضب غضباً شديداً ثم قال : قد كنت كارهاً لهذا المسير ، إني لأذل العرب ، ما ظننت أني أبقى إلى أن أسمع مثل هذا ، فلا يكون عندي تغيير ! ثم أقبل على أصحابه فقال : هذا عملكم أنزلتموهم منازلكم وواسيتموهم بأموالكم ، ووقيتموهم بأنفسكم وأبرزتم نحوركم للقتل ، فأرمل نساءكم وأيتم صبيانكم ، ولو أخرجتموهم لكانوا عيالاً على غيركم !
ثم قال : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ! وكان في القوم زيد بن أرقم وكان غلاماً قد راهق وكان رسول الله « صلى الله عليه وآله » في ظل شجرة في وقت الهاجرة وعنده قوم من أصحابه من المهاجرين والأنصار ، فجاء زيد فأخبره بما قال عبد الله ابن أبيّ ، فقال رسول الله « صلى الله عليه وآله » : لعلك وهمت يا غلام ؟ فقال : لا ، والله ما وهمت ! فقال : لعلك غضبت عليه ؟ قال : لا ما غضبت عليه ! قال : فلعله سفه عليك ؟ فقال : لا والله ! فقال رسول الله « صلى الله عليه وآله » لشقران مولاه : أخرج ، فأخرج أحدج راحلته وركب ، وتسامع الناس بذلك فقالوا : ما كان رسول الله « صلى الله عليه وآله » ليرحل في مثل هذا
جواهر التاريخ ( السيرة النبوية ) — صفحة 361
مساهمون: الشيخ علي الكوراني العاملي
ص٣٦١