تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الانتصار — صفحة 366

مساهمون:

ص٣٦٦
ورد صفة النسيان في القرآن الكريم ، ولا يجوز لنا أن نقول أن لله نسيانا ولكنه ليس كنسياننا ، وذلك لأن الله عز وجل قال : ( وما كان ربك نسيا ) . والنسيان في الآيتين السابقتين يؤول بالترك ، وكذلك لا يجوز لعاقل أن يقول يضحك لا كضحكنا ، أو تتبعه بقولك ( بلا كيف ) أو ( كما يليق بجلاله ) ، ونقول : إن الله لا يخاطبنا إلا بما نفهم ، ونحن لا نفهم الضحك الذي تطلقه حقيقة على الله إلا بالانفعال أو التبسم أو القهقهة كما تفهم العرب ! وهذا محال على الله إلا إذا أولت ذلك بالرحمة ، كما أولها البخاري اتباعا للسان العربي في مجازه . ولا يقاس على قولنا : سميع لا كسمعنا ، بصير لا كبصرنا ، بقولهم : ينزل لا كنزولنا ويتحرك لا كحركتنا ، فهذا قياس باطل ، لأن المراد بقولنا هذا : إثبات صفة السمع مع نفي كون ذلك بجارحة أو آلة السمع وهي الأذن لأنه سبحانه منزه عن الأدوات والأعضاء . ولكننا نفهم من الخطاب صفة السمع ، وتفويض علم ذلك إلى الله تعالى لأننا لا ندركها . وكذلك في البصر نثبت الصفة مع نفي الآلة ، وتفويض علمه إلى الله مع الإيمان به . أما عن الحركة والهرولة والنزول الذي يطلقه البعض دون ترو أو بصيرة على الله تعالى ، لا يتصور فيها وجود شئ يمكن إثباته بعد نفي عنصر التشبيه منها ، وتفويض معناه إلى الله عز وجل ، كما فعلنا في صفتي السمع والبصر ، فالحركة لا يفهم منها إلا الانتقال من محل إلى آخر ولا تعقل إلا بذلك ، فإن نفى الانتقال بعد إثباتها لم تعد حركة ، فيبطل ما أثبته من البداية وناقض نفسه ، لأنه لم يبق شئ يمكن إثباته ، خلافا للسمع والبصر ، فالمرض والنسيان المضافان لله تعالى لا يمكن اعتبارهما صفة لله تعالى للقاعدة التي ذكرناها .