وتعالى ، لكنه حسب زعمك لم يخبرك بهدفه من خلقك ، ولا يجب عليه أن يفعل ، فَقَدِّرْ أنت الهدف من خلقك تقديراً ، ولو بالظن ، وانسجم معه .
وإياك أن تقع في المحال فتقول : إن خالقك وخالق هذا الكون مُقصرٌ ظالم ، كان يجب علىه أن يبين لك الهدف ، وقد قَصَّرَ في حقك ولم يفعل !
قال صاحبي : كلامك منطقي قوي ، لكن ألا ترى جمال شعر إيلِيَّا أبي ماضي :
وطريقي ما طريقي ؟ أطويل أم قصيرْ ؟ * هل أنا أصعد أم أهبط فيه وأغورْ ؟
أأنا السائر في الدرب أم الدرب يسير * أم كلانا واقفٌ والدهر يجري ؟ . . لست أدري
*
أجديد أم قديم أنا في هذا الوجودْ ؟ * هل أنا حُرَّ طليقٌ أم أسيرٌ في قيود ؟
هل أنا قائدُ نفسي في حياتي أم مَقُود ؟ * أتمنى أنني أدري ولكن . . . لستُ أدري
*
قد سألت البحر يوماً هل أنا يا بحر منكا ؟ * أصحيحٌ ما رواه بعضهم عني وعنكا ؟
أم ترى ما زعموا زوراً وبهتاناً وإفكا ؟ * ضحكت أمواجه مني وقالت . . لست أدري
*
أيها البحر أتدري كم مضت ألفٌ عليكا * وهل الشاطئُ يدري أنه جاثٍ لديكا
وهل الأنهارُ تدري أنها منك إليكا * ما الذي الأمواجُ قالت حين ثارت . . لست أدري
*
قيل لي في الدير قومٌ أدركوا سرَّ الحياةْ * غيرَ أني لم أجدْ غيرَعقولٍ آسناتْ
وقلوبٍ بَلِيَتْ فيها المنى فَهْيَ رُفاتْ * ما أنا أعمى فهل غيريَ أعمى ؟ . . لست أدري
*
قيلَ أدرى الناسِ بالأسرارِ سُكّانُ الصوامعْ * قلتُ إن صحَّ الذي قالوا فإنَّ السرَّ شائعْ
عجباً كيف ترى الشمسَ عيونٌ في براقعْ * والتي لم تتبرقعْ لا تراها . . لستُ أدري
قلتُ له : نعم ، إن شعره جميل ، لكن لا تحمله ما لا يحتمل !
فالشاعر لم يقل إنه ملحد ، ينكر وجود الخالق الحكيم سبحانه ، بل قال إنه لا يعلم من أين أتى ، والى أين هو ذاهب ؟
لا يدري . . لكن إذا لم يدرِ إيلِيَّا ، فهل كل العالم لا يدري !