الصحيحة وما دلّ على حرمة المكث في المسجد هو الحكم بحرمة مكث الجنب في المسجد والمرور فيه إلّاإذا توضّأ ، فإنّه يجوز حينئذٍ المكث فيه وكذا المرور منه ، فإنّ النسبة بينهما عموم مطلق فلابدّ من تقديم الصحيحة « 1 » .
ولكن ما يمنع عن ذلك هو أنّ الصحيحة لم يعمل بها الأصحاب على ما صرّح به المحقّق الحلّي وغيره « 2 » ، وحتى الشيخ الصدوق لم يعمل بها ؛ لعدم تقييده الحكم بجواز نوم الجنب في المسجد بأن يتوضّأ ، فهي لا تصلح للتعارض مع الأخبار الدالّة على الحرمة ، فتحمل هذه الصحيحة على التقية ؛ لموافقتها لمذهب الحنابلة وإسحاق حيث ذهبوا إلى جواز النوم في المسجد جنباً إذا توضّأ « 3 » .
وحمل المحدّث الكاشاني التوضّؤ على معناه اللغوي وهو الاغتسال « 4 » .
وأورد عليه بأنّه مخالف لظهور الصحيحة ؛ فإنّ ظاهرها جواز النوم وهو جنب كجواز المرور في حالة الجنابة لا جوازه مع انتفاء الجنابة بالاغتسال « 5 » .
ثمّ إنّ الحكم المذكور - أي حرمة الدخول في المساجد غير الحرمين والتواجد فيها - يشمل جميع أشكاله ، إلّا أنّهم قد استثنوا من ذلك حالتين :
الأولى : أن يكون للمسجد بابان فيجتاز الجنب المسجد بأن يدخل من باب ويخرج من الباب الآخر مباشرة من دون مكث .
واستدلّ لذلك بظهور الآية الدالّة على استثناء عابر السبيل ، فإنّ العبور لا يصدق إلّا بالدخول من باب والخروج من باب آخر ، وهذا العنوان لا يصدق بالدخول والخروج من باب واحد ، فاللازم أن يكون باب الدخول مغايراً لباب الخروج ، بل لا يكفي مجرّد المغايرة ، فإنّ عبور السبيل لا يصدق إلّاإذا كان البابان واقعين في طريقين ، فلو كان هناك بابان في طريق
هامش
( 1 ) التنقيح في شرح العروة ( الطهارة ) 5 : 394 . وانظر : مستمسك العروة 3 : 47 .
( 2 ) المعتبر 1 : 189 . الذخيرة : 52 .
( 3 ) الحدائق 3 : 51 . مستند الشيعة 2 : 291 . التنقيح في شرح العروة ( الطهارة ) 5 : 395 . وانظر : مشارق الشموس : 438 .
( 4 ) الوافي 6 : 422 ، ذيل الحديث 4614 .
( 5 ) التنقيح في شرح العروة ( الطهارة ) 5 : 395 .