رابعاً - كيفية الجمع بين التوكّل واعتقاد السببيّة :
من المهم الإشارة إلى أنّه لا تنافي بين التوكّل على اللَّه والالتزام بسببيّة الأسباب المادّية وتأثيرها في حصول الأغراض ؛ لأنّ سببيّة الأسباب وتأثيرها إنّما تكون في طول سببيّة مسبِّب الأسباب وما هو علّة العلل ، وهو الذات الواجب من جميع الجهات تبارك وتعالى ؛ لأنّه تعالى قد أبى أن يُجري الأمور إلّابأسبابها .
قال اللَّه تعالى :
« إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ »
« 1 » .
وقال تعالى :
« ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ »
« 2 » .
وقوله عزّ من قائل :
« كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ »
« 3 » .
والحاصل : أنّ سببيّة الأسباب وفاعلية العلل حدوثاً وبقاءً إنّما هي بيد اللَّه تعالى ، وما هو بيد غيره إنّما هو إيجاد السبب باختياره ، فمن أراد إحراق الشيء فلا يقدر إلّا على إيجاد النار وإمساس الشيء به ، وأمّا الإحراق وسببيّة النار فيه فإنّما هو بيده تعالى . قال عزّوجلّ :
« قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ * قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ * وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ »
« 4 » .
وإلى هذه الحقيقة يشير قوله تعالى :
« فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى »
« 5 » .
فحقيقة التوكّل إنّما هو إيجاد السبب وإرادة تحقّقه بمشيئة اللَّه سبحانه وإرادته .
فاتّضح بذلك أنّ من يريد حصول المسبّب بلا تحصيل السبب فليس هو من المتوكّلين ؛ لما مرّ من أنّ اللَّه تعالى قد جرت سنته بتحقق الأمور من طرق الأسباب وما هو أفعال العباد ، وإلّا لبطلت الشرائع والتكاليف والثواب والعقاب ، والجنّة والنار .
وإلى ذلك يشير قول أبي عبد اللَّه جعفر
هامش
( 1 ) الرعد : 11 .
( 2 ) الروم : 41 .
( 3 ) المدّثّر : 38 .
( 4 ) الأنبياء : 68 - 70 .
( 5 ) الأنفال : 17 .