تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة الفقه الإسلامي طبقاً لمذهب أهل البيت ( ع ) — صفحة 231

مساهمون:

ص٢٣١

رابعاً - كيفية الجمع بين التوكّل واعتقاد السببيّة :

من المهم الإشارة إلى أنّه لا تنافي بين التوكّل على اللَّه والالتزام بسببيّة الأسباب المادّية وتأثيرها في حصول الأغراض ؛ لأنّ سببيّة الأسباب وتأثيرها إنّما تكون في طول سببيّة مسبِّب الأسباب وما هو علّة العلل ، وهو الذات الواجب من جميع الجهات تبارك وتعالى ؛ لأنّه تعالى قد أبى أن يُجري الأمور إلّابأسبابها . قال اللَّه تعالى :
« إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ »
« 1 » . وقال تعالى :
« ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ »
« 2 » . وقوله عزّ من قائل :
« كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ »
« 3 » . والحاصل : أنّ سببيّة الأسباب وفاعلية العلل حدوثاً وبقاءً إنّما هي بيد اللَّه تعالى ، وما هو بيد غيره إنّما هو إيجاد السبب باختياره ، فمن أراد إحراق الشيء فلا يقدر إلّا على إيجاد النار وإمساس الشيء به ، وأمّا الإحراق وسببيّة النار فيه فإنّما هو بيده تعالى . قال عزّوجلّ :
« قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ * قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ * وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ »
« 4 » . وإلى هذه الحقيقة يشير قوله تعالى :
« فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى »
« 5 » . فحقيقة التوكّل إنّما هو إيجاد السبب وإرادة تحقّقه بمشيئة اللَّه سبحانه وإرادته . فاتّضح بذلك أنّ من يريد حصول المسبّب بلا تحصيل السبب فليس هو من المتوكّلين ؛ لما مرّ من أنّ اللَّه تعالى قد جرت سنته بتحقق الأمور من طرق الأسباب وما هو أفعال العباد ، وإلّا لبطلت الشرائع والتكاليف والثواب والعقاب ، والجنّة والنار . وإلى ذلك يشير قول أبي عبد اللَّه جعفر
هامش
( 1 ) الرعد : 11 . ( 2 ) الروم : 41 . ( 3 ) المدّثّر : 38 . ( 4 ) الأنبياء : 68 - 70 . ( 5 ) الأنفال : 17 .