الكذب لغةً وعرفاً - كما مرّ ادّعاؤه من جماعة - فحينئذٍ يكون نفس هذا الظهور العرفي قرينة على الحمل على النفي الادّعائي ، وكم له من نظير في العرف والشرع .
بل قد يدّعى ذلك حتى مع الإغماض عن هذا المبنى وافتراض الشكّ والإجمال في مفهوم التورية والكذب بالنسبة لمحلّ الكلام ، وذلك بقرينة جملة من الأخبار التي قد يظهر منها جعل مثل قصّة إبراهيم ويوسف عليهما السلام من الكذب الجائز لمصلحة الإصلاح ونحوه لا خارجاً منه موضوعاً « 1 » .
وذلك مثل رواية الحسن الصيقل ، قال :
قلت لأبي عبد اللَّه عليه السلام : إنّا قد روينا عن أبي جعفر عليه السلام في قول يوسف عليه السلام :
« أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ »
« 2 » ، فقال : « واللَّه ، ما سرقوا وما كذب » ، وقال إبراهيم :
« بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ »
« 3 » ، فقال : واللَّه ، ما فعلوا وما كذب » ، فقال أبو عبد اللَّه عليه السلام : « ما عندكم فيها يا صيقل ؟ » قلت : ما عندنا فيها إلّا التسليم ، قال : فقال : « إنّ اللَّه أحبّ اثنين ، وأبغض اثنين ، أحبّ الخطر فيما بين الصفّين ، وأحبّ الكذب في الإصلاح . . . إنّ إبراهيم عليه السلام إنّما قال :
« بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا »
إرادة الإصلاح ، ودلالة على أنّهم لا يفعلون ، وقال يوسف عليه السلام إرادة الإصلاح » « 4 » .
ورواية عطاء عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال :
« قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم : لا كذب على مصلح ، ثمّ تلا :
« أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ » ،
ثمّ قال : واللَّه ، ما سرقوا وما كذب ، ثمّ تلا :
« بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ » ،
ثمّ قال : واللَّه ، ما فعلوه وما كذب » « 5 » .
والأخبار في جواز الكذب في الإصلاح ونحوه كثيرة جدّاً ، منها : رواية عيسى بن حسّان ، قال : سمعت أبا عبد اللَّه عليه السلام يقول :
« كلّ كذب مسؤول عنه صاحبه يوماً إلّا كذباً في ثلاثة : رجل كائد في حربه فهو
هامش
( 1 ) انظر : المكاسب المحرّمة ( الخميني ) 2 : 64 - 65 . مصباح الفقاهة 1 : 400 .
( 2 ) يوسف : 70 .
( 3 ) الأنبياء : 63 .
( 4 ) الوسائل 12 : 253 ، ب 141 من أحكام العشرة ، ح 4 .
( 5 ) الوسائل 12 : 254 ، ب 141 من أحكام العشرة ، ح 7 .