إلى المجتهد المطلق تعيّناً ، وهذا ينافي جواز الرجوع إلى المتجزئ ؛ لأنّ مرجعه إلى التخيير بينهما وقد فرضنا أنّ الآية المباركة تدلّ على تعيّن الرجوع إلى المجتهد المطلق .
إلّاأنّ دلالة هذه الآية على أصل جواز التقليد غير تامّة ؛ وذلك لأنّ السؤال ليس مقدّمة للعمل بقول أهل الذكر تعبّداً ، بل ظاهرها أنّ السؤال يكون مقدّمة لحصول العلم ، فإنّ معنى الآية الكريمة : فاسألوا لكي تعلموا ، وعلى هذا فلا يستفاد منها جعل الحجّية لفتوى المجتهد أصلًا كما تقدّم البحث في ذلك .
وأمّا الروايات فهي أيضاً كذلك لا تكون رادعة عن السيرة حتى إذا فرضنا أنّ الرواة المذكورين فيها من أجلّاء الفقهاء وكبرائهم ؛ وذلك لأنّها غير ظاهرة في الانحصار لتدلّ على عدم جواز الرجوع إلى غيرهم من العلماء « 1 » .
نعم ، هناك روايتان ظاهرتان في الانحصار :
إحداهما : رواية الاحتجاج المروية عن أبي محمّد العسكري عليه السلام : « . . . فأمّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه ، حافظاً لدينه . . . » « 2 » ، فإنّ ظاهرها حصر المقلَّد في الفقهاء المتّصفين بالأوصاف الواردة في الحديث فلا يجوز تقليد غير الفقيه .
إلّاأنّ الرواية ضعيفة السند وقاصرة الدلالة ؛ وذلك لأنّ السؤال فيها عن الفرق بين عوام اليهود وعوام المسلمين حيث يعاقب هؤلاء على متابعتهم لعلمائهم ولا يعاقب المسلمون على متابعة علماء دينهم ؟
فأجاب الإمام عليه السلام بأنّ ذلك من جهة علمهم بأكل علمائهم الرشا وفعلهم المحرّمات ، ومع ذلك أطاعوهم واعتمدوا عليهم ، وأمّا عوام الشيعة فيتّبعون الفقهاء العدول ، فهي في مقام بيان الفارق بين الفاسق والعادل وليست في مقام بيان أنّ الفقاهة معتبرة في المقلَّد « 3 » .
هامش
( 1 ) انظر : التنقيح في شرح العروة ( الاجتهاد والتقليد ) : 228 - 230 .
( 2 ) الوسائل 27 : 131 ، ب 10 من صفات القاضي ، ح 20 .
( 3 ) التنقيح في شرح العروة ( الاجتهاد والتقليد ) : 230 - 231 .