ربيعة ولم يردّ عليه شيئاً ، فأعاد المسألة عليه فأجابه بمثل ذلك ، فقال له الأعرابي :
أهو في عنقك ؟ فسكت ربيعة ، فقال أبو عبد اللَّه عليه السلام : « هو في عنقه » ، قال : « أَوَلَم يقل : وكلّ مفتٍ ضامن ؟ ! » « 1 » .
وكذا الروايات الدالّة على أنّ من أفتى بغير علم فعليه وزر من عمل به « 2 » « 3 » .
فإنّ مفاد هذه الأحاديث يوافق ويناسب تفسير التقليد بنفس العمل ، وأنّ حقيقته هي جعل العامي أعماله على عاتق الفقيه المفتي ، وهذا من مرجّحات هذا التفسير .
الوجه الثالث : أنّه لا يستفاد من أدلّة مشروعية التقليد أكثر من حجّية فتوى المجتهد في حقّ العامي ، وأنّها أمارة كسائر الأمارات المعتبرة التي تكون منجّزة للواقع عند الإصابة ، ومعذّرة عند عدمها « 4 » ، فالواجب على العامي بمقتضى هذه الأدلّة هو أن يستند إلى فتوى الفقيه في مقام العمل من دون وجوب توسيط الالتزام أو الأخذ أو غيرهما .
ومن جملة أدلّة جواز التقليد هو العقل ، فإنّه إنّما يحكم بلزوم قيام العامي المقلِّد بما اشتغلت ذمّته ، ولا يحصل ذلك إلّا بالعمل على طبق فتوى الفقيه لا بمجرّد الالتزام بها أو أخذها علماً أو كتباً ، كما أنّ بناء العقلاء لم يستقرّ إلّاعلى الرجوع العملي إلى العالم وتطبيق العمل على طبق رأيه لا على الالتزام برأيه أو أخذه كتباً أو علماً ، فإنّ كلّ ذلك أجنبيّ عمّا يقصده العقلاء في بنائهم وسيرتهم العملية في هذا المجال .
وهكذا ما يستفاد من الأدلّة اللفظية ، فآية النفر « 5 » الشريفة - على تقدير قبول دلالتها على جواز التقليد وحجّية رأي الفقيه على العامي - لا تدلّ إلّاعلى لزوم العمل على طبق ما أنذر به المنذر ؛ لأنّ المراد بالتحذّر في الآية هو العمل قطعاً ؛ إذ هو الذي يقتضيه الخوف عادة لا الالتزام قلباً بالفتوى ولا أخذها علماً أو كتباً .
هامش
( 1 ) الوسائل 27 : 220 ، ب 7 من آداب القاضي ، ح 2 .
( 2 ) انظر : الوسائل 27 : 20 ، ب 4 من صفات القاضي ، و 220 ، ب 7 من آداب القاضي .
( 3 ) انظر : التنقيح في شرح العروة ( الاجتهاد والتقليد ) : 78 - 79 .
( 4 ) انظر : المحاضرات ( الداماد ) 3 : 390 .
( 5 ) التوبة : 122 .