مع ذلك يكتم الشهادة عناداً وفراراً من الحقّ ، جاز للحاكم حينئذٍ تعزيره للكشف والإعلام « 1 » .
ولعلّ ما ورد في بعض الأخبار من التعذيب بداعي الكشف - على فرض صحّتها - كان من هذا القبيل :
فمنها : ما في قصّة كنانة بن أبي الحقيق حيث صالح رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم أهل خيبر على حقن دمائهم وترك جميع أموالهم للمسلمين ، وكنز كنانة حليّ آل أبي الحقيق وكتمها ، فلمّا ظهر الكنز واخرج أمر رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم الزبير بن العوام أن يعذّب كنانة حتى يستخرج كلّ ما عنده ، فعذّبه الزبير حتى جاءه بزند يقدحه في صدره « 2 » .
ومنها : ما ورد في التاريخ من أنّه بعد ما كتب حاطب بن أبي بلتعة من المدينة كتاباً إلى قريش يخبرهم بما أجمع عليه رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم ، وأعطاه إلى امرأة تبلغه قريشاً ، فجعلته في رأسها وفتلت عليه قرونها ، وأتى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم الخبر من السماء ، فبعث علي بن أبي طالب عليه السلام والزبير ، فخرجا فأدركاها فالتمساه في رحلها فلم يجدا شيئاً ، فقال لها علي عليه السلام : « إنّي أحلف باللَّه ما كذب رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم وما كذبنا ، لتخرجنّ لنا هذا الكتاب أو لنكشفنّك . . . » « 3 » .
ولا يخفى أنّ كشف المرأة وتجريدها كان يُعدّ تعذيباً لها « 4 » .
هذا كلّه في الحقوق العامّة وحقوق الناس المهمّة ، وأمّا في مثل الزنا واللواط وشرب الخمر ونحو ذلك من حقوق اللَّه فلا يجب على المرتكب إظهارها ، وليس للحاكم - أيضاً - تهديده أو تعزيره لذلك ، بل يحرم ذلك ، بل الأولى - في مثلها - على المجرم الستر والتوبة إلى اللَّه عزّوجل « 5 » كما يستفاد من الأخبار الكثيرة :
فعن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال : « أيّها الناس ، قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود اللَّه ، من أصاب من هذه القاذورات شيئاً
هامش
( 1 ) دراسات في ولاية الفقيه 2 : 385 .
( 2 ) المغازي ( الواقدي ) 2 : 672 .
( 3 ) راجع : السيرة النبوية ( ابن هشام ) 4 : 41 .
( 4 ) دراسات في ولاية الفقيه 2 : 385 - 387 .
( 5 ) دراسات في ولاية الفقيه 2 : 388 .