إلّاأنّ النهي يتقدّر بقدر حضور المصلّي لدى المليك المقتدر في صلاته ، وكيف يتعقّل أن يحضر العبد بمحض اختياره ورغبته لدى ملك قادر في اليوم خمس مرّات ويحسّ لعظمته وجلاله ، ثمّ لا يؤثّر ذلك في ترك مخالفته لذلك الملك ، أو تقليل مخالفته ولو جزئيّاً « 1 » .
ومنها : الزكاة ، وهي ركن من أركان الإسلام ، وبها يستكمل المؤمن إيمانه ، وهي قرينة الصلاة في القرآن الكريم في عدّة مواضع : قال تعالى :
« وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ »
« 2 » ، وقال تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام :
« وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا »
« 3 » ، فإنّ في الصلاة تهذيب الروح ، وفي الزكاة توثيق الصِلاة والروابط ، والإنسان الكامل هو الجامع بينهما « 4 » .
ومنها : القرآن الكريم ، فإنّ السالك سبيل التزكية وإن كان جميع أعماله عبادة وبأهداف إلهية ، ولكنّه بحاجة ماسّة يومياً إلى أن يفرّغ شيئاً من وقته للمناجاة مع اللَّه تعالى والتكلّم معه والتوجّه الحضوري إليه ، والقرآن كتاب التزكية والتربية وشفاء النفس من الأدواء الروحية ، قال تعالى :
« وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً »
« 5 » .
وقوله تعالى :
« لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ »
« 6 » .
فلو أنّ قلوبنا لم تخشع ولم تتصدّع من خشية اللَّه ، فهذا دليل على أنّ القرآن لم ننزّله بمعنى الكلمة على قلوبنا ، ولم نهضمه فيما بين جوانحنا وحينما نقرأه لا نهتمّ إلّا بقراءة الألفاظ من دون إنزال المعاني بدقيق الكلمة على أفئدتنا « 7 » .
ومنها : التوبة ، فمن لم يتوفّق للتزكية مبكّراً فالمفروض به أن يبادر إلى التوبة في أقرب وقت من أوقات عمره مهما أمكن ؛ لأنّه بقدر ما يؤخّر العمل بهذا الصدد
هامش
( 1 ) تزكية النفس : 93 .
( 2 ) البقرة : 277 . التوبة : 5 ، 11 .
( 3 ) مريم : 31 .
( 4 ) مواهب الرحمن 2 : 383 .
( 5 ) الإسراء : 82 .
( 6 ) الحشر : 21 .
( 7 ) تزكية النفس : 88 - 89 .