المفروض في قاعدة التجاوز التجاوز عن المحلّ ، وهذا معناه أن يكون هناك أجزاء مرتّبة شرعاً تجاوز المشكوك وتدخل في الآخر ، وهذا في الجزء الأخير غير متصوّر ؛ لأنّه ليس فيه جزء لاحق مرتّب عليه شرعاً ، وهذا بخلاف قاعدة الفراغ التي لم يشترط فيها هذا القيد « 1 » .
4 - قاعدة التجاوز أصل أو أمارة :
لتحديد كون قاعدة التجاوز أصلًا أو أمارة لابدّ أن نعرف أنّه يوجد منهجان للتمييز بين الأصل والأمارة :
الأوّل : ما سلكته مدرسة المحقّق النائيني « 2 » بل مشهور المحقّقين الأصوليين « 3 » من أنّ الفرق بين الأصل والأمارة يرجع إلى الفرق في المجعول في الحكم الظاهري ، فإن كان المجعول الطريقية والكاشفية فهو أمارة ، وإن كان المجعول مجرّد الجري العملي بلا ملاحظة جهة الكشف والطريقية فهو أصل .
وفي الأصل - أيضا - إن كان التركيز في المجعول على التعبّد بثبوت الواقع - سواء كان بلسان النهي والسلب كما في أدلّة الاستصحاب كقول أبي جعفر عليهالسلام في رواية زرارة : « . . . ولا تنقض اليقين أبدا بالشكّ . . . » « 4 » ، أو بلسان الإيجاب كما في بعض ألسنة دليل هذه القاعدة كقول أبي عبد اللّه عليهالسلام في رواية الفضيل بن يسار : « بلى ، قد ركعت . . . » « 5 » - يسمّى الأصل بالأصل المحرز والأصل التنزيلي .
وإن كان التركيز فيه على مجرّد الوظيفة العملية في ظرف الشكّ من دون ملاحظة الواقع يسمّى الأصل ب - ( الأصل غير التنزيلي ) أو بالأصل العملي المحض .
وعلى أساس هذا المنهج يمكن تقريب أمارية القاعدتين هنا وتطبيق ضابط الأمارة عليهما - كما اختاره المحقّق النائيني وغيره « 6 » - وذلك لما لوحظ في المجعول فيهما جهة الكاشفية والطريقية ،
هامش
( 1 ) انظر : قاعدة الفراغ والتجاوز : 80 .
( 2 ) انظر : أجود التقريرات 4 : 208 ، 209 .
( 3 ) انظر : فرائد الأصول ( تراث الشيخ الأعظم ) 3 : 325 . القواعد الفقهية ( البجنوردي ) 1 : 315 - 316 . القواعد الفقهية ( المكارم ) 1 : 235 - 236 . قاعدة الفراغ والتجاوز : 22 .
( 4 ) الوسائل 2 : 356 ، ب 44 من الحيض ، ح 2 .
( 5 ) الوسائل 6 : 317 ، ب 13 من الركوع ، ح 3 .
( 6 ) انظر : فرائد الأصول ( تراث الشيخ الأعظم ) 3 : 325 . أجود التقريرات 4 : 208 - 209 .