وأجيب عنه أوّلًا : أنّه لو سلّم فليس في الدليل إطلاق يثبت به حجّيّتها في جميع الموارد ، فإنّ الدليل قد سيق لبيان الحجّية القضائية لا الحجّية في نفسها ، فلا يمكن إثبات الإطلاق في حجّية البيّنة .
وثانياً : بأنّه كما يحتمل كون معنى قول رسول اللّه صلىالله عليه وآلهوسلم في رواية هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّه عليهالسلام : « إنّما أقضي بينكم بالبيّنات . . . » « 1 » : جعلت الحجّية في باب القضاء لما هو حجّة ، كذلك يحتمل كون معناه : لا أعتمد في باب القضاء على علم الغيب ، بل على الحجّة ، والثاني إخبار لا يستفاد منه الحجّية النفسية « 2 » .
ثالثها : أنّ قوله صلىالله عليه وآلهوسلم : « إنّما أقضي بينكم بالبيّنات » - بعد ضمّ الصغرى إليه المتحصّلة من تطبيقه صلىالله عليه وآلهوسلم البيّنة على شهادة عدلين - يدلّ على أنّ شهادة عدلين بيّنة ، وهذه الدلالة وإن لم يكن لها إطلاق في نفسها ولكن بضمّ ارتكازية حجّية البيّنة عقلائيّاً ينعقد لمثل تلك الدلالة ظهور في إمضاء ما عليه العقلاء ، وبذلك يكسب الدليل الإطلاق من إطلاق الارتكاز الممضى « 3 » .
وهناك روايات أخرى كثيرة وردت في مختلف أبواب الفقه ، ادّعي أنّ الناظر فيها سيدلّ بها على العموم في أوّل نظرة بحيث لا يبقى له شكّ في أنّ حجّيّتها في هذه الموارد لا تنشأ من خصوصيّات فيها ، بل لحجّية البيّنة على الإطلاق « 4 » ، وإليك نماذج من هذه الأخبار :
منها : ما ورد في الطلاق من اشتراط صحّته بوجود شاهدين عدلين ، فعن بكير ابن أعين وغيره عن أبي جعفر عليهالسلام - في حديث - قال : « . . . وإن طلّقها للعدّة بغير شاهدي عدل فليس طلاقه بطلاق . . . » « 5 » .
ومنها : ما ورد في أبواب النكاح ، مثل : ما رواه يونس ، قال : سألته عن رجل تزوّج امرأة . . . ثمّ أنّ رجلًا أتاه فقال : هي امرأتي ، فأنكرت المرأة ذلك ، ما يلزم الزوج ؟ فقال : « هي امرأته إلّا أن يقيم البيّنة » « 6 » .
هامش
( 1 ) الوسائل 27 : 232 ، ب 2 من كيفية الحكم ، ح 1 .
( 2 ) بحوث في شرح العروة 2 : 81 - 82 .
( 3 ) بحوث في شرح العروة 2 : 82 .
( 4 ) القواعد الفقهيّة ( المكارم ) 2 : 61 .
( 5 ) الوسائل 22 : 26 ، ب 10 من مقدّمات الطلاق ، ح 2 .
( 6 ) الوسائل 20 : 300 ، ب 23 من عقد النكاح ، ح 3 .