القول الثالث : التفصيل بين القليل والكثير ، فيتنجّس الأوّل دون الثاني « 1 » .
وهذا في الحقيقة إلغاء لعنوان البئرية ، وجعل الحكم دائراً مدار الكرّية وعدمه ، فيكون البئر حينئذٍ كالراكد غير النابع في الأحكام مع زيادة النزح كما سيأتي .
وقيل : إنّ هذا التفصيل لازم للعلّامة الحلّي المفصّل في الجاري بين القليل والكثير ؛ لعموم الدليل ، فهنا أولى « 2 » .
وأجيب عنه بعدم الملازمة ؛ إذ قد يكون للبئر حكم بالخصوص ، فإنّ لها أحكاماً كثيرة قد اختصّت بها ، سواء كان ماؤها قليلًا أو كثيراً ؛ لمكان الأخبار « 3 » .
قال الشيخ الأنصاري : « لكن لا يبعد استظهاره منه في المنتهى » « 4 » ، ولعلّ مراده قوله في الماء الجاري : « الأقرب اشتراط الكرّية ؛ لانفعال الناقص عنها مطلقاً » « 5 » .
ولكن عبارته في القواعد ظاهرة في عدم قائلٍ به في زمانه فضلًا عن أن يكون هو القائل به ، قال : « وإن لاقته من غير تغيير فقولان ، أقربهما البقاء على الطهارة » « 6 » ، فإنّ قوله : « فقولان » ظاهر في عدم قائل من فقهائنا بالتفصيل إلى زمانه . وكذلك عبارته في نفس المنتهى « 7 » في مباحث البئر .
نعم ، قيّد الحكم بعدم انفعال ما له مادّة - ومنه البئر - فيما إذا كانت مادّته تبلغ الكرّ ولو بضميمة ما له المادّة إليها ، والظاهر أنّه غير هذا التفصيل كما هو ظاهر .
وكيف كان ، فلعلّ دليله بعض الأخبار ، كموثّقة عمّار ، قال : سُئل أبو عبد اللَّه عليه السلام عن البئر يقع فيها زبيل « 8 » عذرة يابسة أو رطبة ، فقال : « لا بأس إذا كان فيها ماء كثير » « 9 » .
هامش
( 1 ) حكاه عن بعضهم في الذكرى 1 : 88 .
( 2 ) المدارك 1 : 55 . كشف اللثام 1 : 277 .
( 3 ) جواهر الكلام 1 : 202 . وانظر : الطهارة ( تراث الشيخ الأعظم ) 1 : 197 .
( 4 ) الطهارة ( تراث الشيخ الأعظم ) 1 : 197 .
( 5 ) المنتهى 1 : 28 - 29 .
( 6 ) القواعد 1 : 184 .
( 7 ) المنتهى 1 : 56 .
( 8 ) الزبيل : القُفّة . لسان العرب 6 : 15 .
( 9 ) الوسائل 1 : 174 - 175 ، ب 14 من الماء المطلق ، ح 15 .