كلمة ( يطهّرها ) في كلام السائل في الرواية الأولى ، وهو يكشف عن أنّ نجاسة البئر بالملاقاة مفروغ عنها عنده وأقرّه الإمام على ذلك ، حيث بيّن مطهّرها وهو نزح دلاء يسيرة ، وفي كلام الإمام في الرواية الثانية حيث قال عليه السلام : « فإنّ ذلك يطهّرها » ، وهو صريح في النجاسة بوقوع شيء من النجاسات المذكورة فيها ، وأنّ النزح يطهّرها « 1 » .
وقد أجيب عن هذه الأخبار عموماً بلزوم حملها على الاستحباب ؛ للأمارات الكثيرة ، كما سيأتي .
كما أجيب عن خصوص رواية محمّد ابن إسماعيل - مضافاً إلى ذلك - بأنّ دلالتها ليس إلّامن باب التقرير بضميمة أصالة عدم الخوف في الردع بالكتابة ، وهو معارض بظهور قوله عليه السلام : « ينزح دلاء » في كفاية مطلق النزح ، مع أنّه غير قابل للالتزام عند القائلين بالنجاسة ، فيتعيّن حمل الجملة الخبريّة على الاستحباب .
وعن الأخيرة بأنّها وإن كانت دلالتها أظهر من الأولى لوقوع كلمة ( يطهّرها ) في كلام الإمام ، إلّاأنّ الأمر فيها بنزح الدلاء أظهر في الاستحباب ؛ وذلك لكونه في مقام البيان ، فيبعد حملها على بيان نوع المطهّر وإحالة تفصيل الحكم في كلّ واحد من النجاسات المذكورة في الرواية إلى مقام آخر ، ولا يمكن الالتزام أيضاً بكفاية مطلق النزح في حصول الطهارة ، فالأولى حمل لفظ التطهير فيه على إرادة إزالة القذارة والنفرة الحاصلة من وقوع تلك الأشياء « 2 » .
نعم ، هناك بعض الأخبار قد يدّعى أنّها تدلّ بمفهومها على التنجس فيما إذا وقع فيه ما له نفس سائلة ، كصحيحة أبي بصير ، قال : سألت أبا عبد اللَّه عليه السلام عمّا يقع في الآبار ، فقال : « أمّا الفأرة وأشباهها فينزح منها سبع دلاء . . . وكلّ شيء وقع في البئر ليس له دم مثل العقرب والخنافس وأشباه ذلك فلا بأس » « 3 » .
إلّاأنّها معارضة بما هو أقوى منها من الصحاح الدالّة على عدم انفعال البئر « 4 » .
هذا ، وقد رجّح الفقهاء الروايات الدالّة على الطهارة وعدم الانفعال لقرائن كثيرة .
قال الشيخ الأنصاري - بعد نقل الأخبار الدالّة على عدم الانفعال - : « فهذه أخبار اثنا عشر بين صريح في المطلوب [ أي عدم النجاسة ] وظاهر فيه ، ولو قُدّرت معارضة ظواهرها بظواهر ما تقدّم من أخبار النجاسة كان الواجب على المنصف ترجيح هذه عليها .
هذا كلّه مضافاً إلى مخالفة أخبارنا [ أخبار الطهارة ] للعامّة وموافقتها لعمومات طهارة الماء ، واستلزام العمل
هامش
( 1 ) التنقيح في شرح العروة ( الطهارة ) 1 : 294 .
( 2 ) الطهارة ( تراث الشيخ الأعظم ) 1 : 198 - 199 .
( 3 ) الوسائل 1 : 185 ، ب 17 من الماء المطلق ، ح 11 .
( 4 ) كما في قول أبي الحسن الرضا عليه السلام في صحيح محمّد ابن إسماعيل بن بزيع : « ماء البئر واسع لا يفسده شيء إلّاأن يتغيّر ريحه أو طعمه . . . » . الوسائل 1 : 172 ، ب 14 من الماء المطلق ح 7 . وصحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال : سألته عن بئر ماء وقع فيها زبيل من عذرة رطبة أو يابسة ، أو زبيل من سرقين ، أيصلح الوضوء منها ؟ قال : « لا بأس » . الوسائل 1 : 172 ، ب 14 من الماء المطلق ، ح 8 .