المتقدّمة .
وقد تقدّم الإشكال في هذا الاستدلال .
3 - من يصحّ له عقد الذمّة :
قد ظهر ممّا تقدّم أنّ عقد الذمة لا يصحّ إلّا لأهل الكتاب من اليهود والنصارى ، ويلحق بهم على المشهور المجوس ، أمّا غيرهم فلم يشرع عقد الذمّة معهم ؛ لأنّ الفقهاء حكموا في غير أهل الكتاب بأمرين : إمّا القتل أو الإسلام ، وعلى تقدير عدم الغلبة عليهم يمكن أن يكونوا معاهدين أو يعطى لآحادهم الأمان في هذا المورد أو ذاك ، أمّا الذمّة فلا تجري فيهم .
وقد استند الفقهاء في ذلك إلى أنّ عمومات القتال - لا سيّما مطلع سورة براءة - قد دلّت على الأمر بقتل الكافر إلّا أن يسلم ، أمّا آية الجزية فقد حدّدت خياراً ثالثاً وهو الذمّة والبقاء أحياء ولو لم يسلموا وهي خاصّة بأهل الكتاب ، فيلتزم بالتفصيل بين أهل الكتاب فيصحّ عقد الذمّة لهم دون غيرهم فلا يصح . والتفصيل في محلّه .
( انظر : جهاد )
الثاني - تملّك المستأمن لأرض في بلاد الإسلام :
نقل الشيخ الطوسي عن بعضهم أن المستأمن إذا أحيا أرضاً في بلاد الإسلام صار ذمّياً ، ولا يمكّن من الرجوع إلى بلاد الشرك « 1 » .
وذكر ابن البرّاج أنّ الحربي المستأمن إذا اشترى أرضاً عشرية أو خراجية فسلّمها إلى مسلم مزارعة كان جائزاً ، ويصير بها ذمّياً ، وما يخرج منها يقسّم بينهما على ما اشترطاه ، ويوضع عليه الخراج في أرضه ولا يمكّن من الرجوع إلى مأمنه « 2 » .
وخالف في ذلك العلّامة الحلّي نافياً اعتباره ذمّياً بذلك ، ويكون حكم أرضه حكم مال المستأمن ينقض الأمان فيه بموته كغيره من أمواله « 3 » .
وهو مقتضى الأصل والقاعدة .
رابعاً - ما تثبت به الذمّة :
تثبت الذمّة بكل الوسائل القانونية الشرعية المفيدة لثبوت العقود والاتّفاقات كالبينة وإقرار الطرفين وغير ذلك ، كما يمكن القول بثبوت الذمّة بالقرائن الخارجية وشاهد الحال ، كما لو عاش جمع من أهل الكتاب في بلاد المسلمين لمدّة طويلة كعشرات السنين أو لقرون متمادية دون أن يلاحظ اعتراض أحد من الحكام أو آحاد المسلمين على وجودهم ، فإنّ شاهد الحال هذا قرينة مفيدة عقلائياً لوجود اتّفاق معهم يرخّص لهم بالبقاء هذه المدّة الطويلة ، وليس إلّا الذمّة ، اللهمّ إلّاإذا احتمل أمرٌ آخر لشواهد أو قرائن .
وهكذا الحال عندما تشتدّ هذه الإقامة بأن يملكوا الأراضي وغير ذلك حتى لو لم نقل بأنّ تملّك أهل الكتاب لأرض يجعلهم ذمّيين .
هامش
( 1 ) المبسوط 3 : 83
( 2 ) المهذب 2 : 18
( 3 ) المختلف 6 : 150