وعلى أيّ حال ، لو كنّا لا نحتمل غفلة المتقدّمين عن صحّة الجمع العرفي بالحمل على التنزّه ، فيمكن أن نفسّر إعراضهم عنه في المقام بأحد الأمرين : إمّا الارتكاز ولكن بمرتبة لا تتنافى مع القرائن على عدم وجود ارتكاز حاسم على النجاسة في أذهان فقهاء الرواة ، وإمّا الاطمئنان الشخصي الناشئ من مجموعة أمور لا نسلّمها ، ولكنّنا لا نستبعد افتراض تسليمها عند جملة منهم .
وإذا كنّا نحتمل الغفلة في شأن بعضهم عن ضرورة تقديم الجمع العرفي - كما تبرّره بعض القرائن كتصريح الشيخ الطوسي بتقديم الجمع بالحمل على التقيّة على الجمع العرفي - في نصّ أشرنا إليه سابقاً عند مناقشة الإجماع - فيمكن أن نفسّر عملهم بأخبار النجاسة على أساس اجتهادي يلائم مع الاعتراف بحجّية أخبار الطهارة في نفسها ، وذلك من قبيل ترجيح أخبار النجاسة بالأكثرية ، أو بمخالفة العامة ، أو بموافقة الكتاب ، أو جعل العام الكتابي مرجعاً بعد التساقط ، إلى غير ذلك من الوجوه الاجتهادية . وعليه فلا موجب لسقوط أخبار الطهارة عن الحجّية في نفسها « 1 » .
هذا كلّه إذا لم تجعل النصوص الكاشفة عن وجود ارتكاز متشرّعي على الطهارة ممّا أسلفنا بيان بعضه سابقاً دليلًا مورثاً للاطمئنان ؛ لعدم وجود مبرّر التقية فيها ، بل أنّ بعض الوجوه قد تفيد تحصيل الوثوق بالطهارة ممّا يسقط أخبار النجاسة عن الحجّية ، كالذي ذكرناه سابقاً من أنّه لو حكم بالنجاسة لانتشر هذا الأمر في مجتمع المدينة والحجاز عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكثر السؤال عنه ، بل على القول بجواز نكاح نساء أهل الكتاب وكذلك الإماء من اليهوديات والنصرانيات سوف تكون هذه القضية عامة البلوى جدّاً في البيوت والأسر وفي حياة المتشرّعة ، بحيث لو كان الحكم هو النجاسة لكان واضحاً جدّاً ولما تضاربت فيه الروايات ، وصحّ فيه عدد قليل منها سنداً ودلالةً .
وتفاصيل أحكام طهارتهم ونجاستهم تراجع في محلّها .
( انظر : نجاسة )
2 - أوانيهم :
المعروف « 2 » أنّ أواني أهل الكتاب غير المصنوعة من الجلود محكومة بالطهارة كأواني سائر الكفّار ، ما لم يعلم طروّ النجاسة عليها « 3 » ، حتى بناءً على نجاستهم الذاتيّة ، واستدلّ لذلك :
أوّلًا : باستصحاب الطهارة عند الشكّ في نجاستها مع العلم بطهارتها السابقة ؛ لعموم التعليل الوارد في صحيحة ابن سنان عن أبي عبد اللَّه عليه السلام المتقدّمة : « . . . فإنّك أعرته إيّاه ، وهو طاهر ، ولم تستيقن أنّه نجّسه . . . » « 4 » .
وفيه دلالة على جريان الاستصحاب في أواني الكفّار وغيرها ؛ إذ لا خصوصيّة عرفاً للثوب في جريان الاستصحاب .
وثانياً : بقاعدة الطهارة « 5 » فيما لو علمنا بطروّ النجاسة على الأواني في زمان وطروّ الطهارة عليها في زمان آخر ،
هامش
( 1 ) بحوث في شرح العروة 3 : 279 - 283
( 2 ) مستمسك العروة 2 : 160
( 3 ) العروة الوثقى 1 : 290 ، م 2
( 4 ) الوسائل 3 : 521 ، ب 74 من النجاسات ، ح 1
( 5 ) مستمسك العروة 2 : 160