وجود شيء من التذبذب والتزلزل في البيان في أكثرها « 1 » .
وبهذه النقاط الخمس يتّضح سقوط دعوى الإجماع على نجاسة الكتابي عن الحجّية .
ومهما يكن من أمر ، فقد استدلّ المشهور على نجاسة أهل الكتاب بالكتاب والسنّة :
أمّا الكتاب فبقوله تعالى :
« إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا »
« 2 » .
والنجس باصطلاح المتشرّعة : هو النجاسة ، فلابدّ أن يكون المقصود منه ذلك عند نزول الآية ؛ لوصوله إلينا يداً بيد ، وبما أنّ أهل الكتاب قسم من المشركين ؛ لقوله تعالى :
« وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ . . .
سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ »
« 3 » ، فلابدّ أن يكونوا نجسين بمقتضى هاتين الآيتين « 4 » .
ونوقش فيه : أوّلًا : بأنّ النجس وإن كان عند المتشرّعة بمعنى النجاسة ، إلّاأنّه لم يثبت كونه مراداً في الآية ؛ لجواز أن لا تثبت النجاسة بمعناها الاصطلاحي في ذلك الزمان للتدرّج في بيان الأحكام « 5 » .
ولو كانت ثابتة فلم تكن معروفة بلفظ النجاسة ، وإنّما كان يعبّر عنها بتعابير أخرى في مناسبات مختلفة ؛ ولذا قلّما نجد التعبير بها في رواياتنا عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، بل في روايات الجمهور المشتملة على ستّمئة حديث عنه صلى الله عليه وآله وسلم في أحكام النجاسة ، حيث لم يعبّر فيها بهذا التعبير إلّافي روايتين ، ورد في إحداهما قوله صلى الله عليه وآله وسلم : إنّ « الهرّ ليس بنجس » « 6 » ، وفي الأخرى في صحابي واجه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وهو جنب ، فكره أن يجلس إلى النبيّ على هذه الحال فانطلق واغتسل واعتذر منه ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : « سبحان اللَّه ، إنّ المؤمن لا ينجس » « 7 » .
هامش
( 1 ) بحوث في شرح العروة 3 : 239 - 244 ، 254
( 2 ) التوبة : 28 . وانظر : الانتصار : 89 . الخلاف 1 : 70 ، م 16 . المنتهى 3 : 222 . الروض 1 : 437
( 3 ) التوبة : 30 ، 31
( 4 ) التنقيح في شرح العروة ( الطهارة ) 2 : 43 . وانظر : جواهر الكلام 6 : 42 . مستمسك العروة 1 : 369
( 5 ) التنقيح في شرح العروة ( الطهارة ) 2 : 43
( 6 ) كنز العمال 9 : 400 ، ح 26683
( 7 ) انظر : السنن الكبرى ( البيهقي ) 1 : 189