والعيلة التي تخاف وقوعها هي التي كانت بسبب منع الوثنيين الذين اعتادوا زيارة مكّة ، ولا أقلّ من الشكّ في إرادة ذلك في الآية الشريفة ، وهو كافٍ في إجمالها من هذه الجهة وعدم إطلاقها « 1 » .
وأمّا السنّة فقد استدلّوا « 2 » بعدّة روايات :
منها : حسنة سعيد الأعرج ، قال : سألت أبا عبد اللَّه عليه السلام عن سؤر اليهودي والنصراني ، فقال : « لا » « 3 » .
وهي تامّة سنداً « 4 » .
وأمّا دلالة فقد قيل في تقريبها : إنّ الظاهر من السؤال عن سؤر الكافر وإن كان هو بيان الحكم التكليفي وجواز استعماله بقرينة كلمة ( لا ) ، إلّاأنّه لا موجب لهذا الحكم في الارتكاز العام إلّا نجاسة السؤر بسبب تماس فم اليهودي والنصراني به « 5 » .
ولعلّه لذلك ذهب بعضهم إلى تمامية دلالة هذه الرواية « 6 » .
وأورد عليه بمنع أن يكون الارتكاز العام منحصراً بإرجاع النهي الوارد في الحديث إلى نجاسة السؤر ؛ لإمكان إرجاعه إلى مرجوحية سؤر الكافر بما هو مرتكز لدى المتشرّعة من قابلية السؤر لاكتساب المنقصة أو الكمال اللذين يحملهما صاحبهما « 7 » .
ويؤيّده ورود النهي عن بعض الأسئار غير النجسة كسؤر الحائض « 8 » وولد الزنا « 9 » ، فلا يكون النهي عن السؤر ملازماً دائماً لنجاسته « 10 » .
ومنها : صحيحة محمّد بن مسلم ، قال : سألت أبا جعفر عليه السلام عن آنية أهل الذمّة والمجوس ، فقال : « لا تأكلوا في آنيتهم ، ولا من طعامهم الذي يطبخون ، ولا في آنيتهم التي يشربون فيها الخمر » « 11 » .
وهذه الرواية وإن كانت صحيحة سنداً إلّا أنّها لا دلالة فيها على نجاستهم ، وإلّا لزم الاجتناب عن جميع أوانيهم حتى الآنية التي يشربون فيها الماء ، فلا وجه لتقييدها بما يشربون فيه الخمر « 12 » .
ومنها : صحيحة عليّ بن جعفر عن أخيه أبي الحسن موسى عليه السلام قال : سألته عن مؤاكلة المجوسي في قصعة واحدة ، وأرقد معه على فراش واحد وأصافحه ، قال : « لا » « 13 » .
وأورد عليها بأنّه لا دلالة فيها على النجاسة ؛ لعدم افتراض وجود رطوبة سارية تؤدّي إلى النجاسة ، فلابدّ من حمل النهي عن مؤاكلتهم ومراقدتهم على الابتعاد عن مخالطتهم ؛ لوضوح أنّ الرقود معهم على فراش واحد لا يقتضي نجاسة لباس المسلم أو بدنه إذا لم تكن هناك رطوبة
هامش
( 1 ) بحوث في شرح العروة 3 : 262 - 263
( 2 ) الحدائق 5 : 166 - 167 . جواهر الكلام 6 : 43
( 3 ) الوسائل 1 : 229 ، ب 3 من الأسئار ، ح 1
( 4 ) بحوث في شرح العروة 2 : 263 . التنقيح في شرح العروة ( الطهارة ) 2 : 45
( 5 ) بحوث في شرح العروة 3 : 263
( 6 ) التنقيح في شرح العروة ( الطهارة ) 2 : 45
( 7 ) بحوث في شرح العروة 3 : 263 - 264
( 8 ) انظر : الوسائل 1 : 236 ، ب 8 من الأسئار
( 9 ) الوسائل 1 : 229 ، ب 3 من الأسئار ، ح 2
( 10 ) بحوث في شرح العروة 3 : 264
( 11 ) الوسائل 3 : 419 ، ب 14 من النجاسات ، ح 1
( 12 ) التنقيح في شرح العروة ( الطهارة ) 2 : 45
( 13 ) الوسائل 3 : 420 ، ب 14 من النجاسات ، ح 6