ولذا لابدّ من ملاحظة مجموع القرائن التي لها دخل في إيجاد هذا الاطمئنان إثباتاً ونفياً ؛ إذ قد يتّفق كون أمارة مقتضية لليقين في نفسها ، ولكنّها لا تؤدّي إلى ذلك عند مزاحمتها ببعض القرائن المنافية ، وليس الإجماع أو نقل الإجماع بعنوانه موضوعاً للحجّية شرعاً .
وهناك عدّة نقاط يمكن إثارتها حول الاستدلال بهذا الإجماع :
الأولى : التشكيك في وقوعه بإبراز القرائن على وجود الخلاف .
ومن هذه القرائن : كلام المحقّق الحلّي قدس سره ؛ إذ قسّم الكفّار إلى قسمين : المشرك ، وأهل الكتاب ، وادّعى الإجماع على نجاسة المشرك ، ولم يدّعِ مثل ذلك في أهل الكتاب ، وإنّما استعرض أسماء عدد من العلماء القائلين بنجاستهم ، فلو كان المحقّق قد أحرز الإجماع على النجاسة في كلا القسمين لما ساق التعبير بهذا النحو .
ومنها : دعوى ابن زهرة في الغنية الإجماع المركب ؛ إذ قال : « التفرقة بين الأمرين [ نجاسة المشرك وغيره ] خلاف الإجماع » « 1 » ، فإنّه لو كان يرى انعقاد الإجماع على نجاسة الكافر مطلقاً لما عدل إلى الاستدلال بالإجماع المركّب على نجاسة غير المشرك .
ومنها : ما نقل عن الشيخ المفيد في أجوبة بعض مسائله من الحكم بكراهة سؤر اليهود والنصارى ، وهو لا يناسب القول بالنجاسة ؛ لظهور الكراهة في كلام المفيد وأمثاله في المعنى المصطلح المقابل للحرمة .
ويبقى استغراب أن يكون المفيد قائلًا بالطهارة ولا يؤثر ذلك عنه ، بل يدّعي تلامذته - كالمرتضى والشيخ الطوسي - الإجماع على النجاسة ، وهم أكثر الناس اطّلاعاً على رأي أستاذهم .
وقد يدفع هذا الاستغراب بإمكان افتراض عدول المفيد قدس سره عن الفتوى بالطهارة ؛ إذ لا نعرف تاريخ صدور الحكم بالكراهة منه ، فلعلّه كان في بداية أمره ، وفي مرحلة تأثّره بأستاذه ابن الجنيد
هامش
( 1 ) الغنية : 44