وقد يقال بأنّ الإسراف لا يصدق بلحاظ نفس الإنفاق ، بل بلحاظ كيفيته أو مزاحماته ، كما إذا كان الأجدر والأولى حفظ المال لغرض شرعي أهم وأولى ، فتوصيف الإنفاق بالإسراف ليس بلحاظ نفسه ، بل بلحاظ خصوصياته ومزاجاته ونحو ذلك ، فلا تعارض بين الآيات والروايات من هذه الناحية .
الثالث - الإنفاق المحرّم :
قد يكون الإنفاق محرّماً ، وذلك إذا كان مورده أو مصدر المال أو الصفة التي عليها محظوراً عند الشارع ، وهي جهات متعدّدة :
1 - اتّصافه بما هو محظور وحرام - تجاوز الحدّ في الإنفاق - بنحو يوجب إفساد المال وتضييعه من دون غرض عقلائي ، وهو ممّا لا إشكال في حرمته ، بل ادّعي الإجماع عليها ، بل والضرورة من المذهب أو الدين « 1 » .
وقد استدلّ على حرمة الإسراف والتبذير بآيات من الكتاب الكريم ، كقوله تعالى :
« وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ »
« 2 » ، وقوله تعالى :
« إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ »
« 3 » .
وتقدّم أنّ اللَّه تعالى ذكر في سورة الفرقان من علامات عباد الرحمن عدم الإسراف حتى في الإنفاق المطلوب ، وهو قوله تعالى :
« وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً »
« 4 » ، والقوام : هو العدل الذي هو الوسط ، ومعنى الإسراف في صرف المال هو مجاوزة الحدّ فيه .
وقد تقدّم نقل بعض الأخبار الناهية عنه ، ونضيف إليها هنا رواية داود الرقّي عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال : « إنّ القصد أمر يحبّه اللَّه عزّوجلّ ، وإنّ السرف أمر يبغضه اللَّه عزّوجلّ ، حتى طرحك النواة فإنّها تصلح لشيء ، وحتى صبّك فضل شرابك » « 5 » .
ورواية مسعدة بن صدقة عنه عليه السلام أيضاً حيث جاء فيها : « . . . ورجل رزقه اللَّه
هامش
( 1 ) عوائد الأيّام : 615 .
( 2 ) الأعراف : 31 .
( 3 ) الإسراء : 27 .
( 4 ) الفرقان : 67 .
( 5 ) الوسائل 21 : 551 ، ب 25 من النفقات ، ح 2 .