« وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ »
« 1 » ، فيقع الكلام في شمول هذا النهي الإسراف في الإنفاق المندوب وعدمه :
ففي بعض آيات الكتاب الكريم نرى أنّه تعالى جعل عدم الإسراف في الإنفاق من علائم عباد الرحمن ، فقال :
« وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً »
« 2 » ، وقوله :
« وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ »
« 3 » .
وذكر المفسّرون أنّ المراد من الحقّ هنا الصدقة المستحبّة لا الواجبة ؛ لأنّ الواجبة محدّدة ومعيّنة ، وليس في دفع المعيّن إسراف .
وكذا في الأخبار ، كخبر ابن أبي نصر عن أبي الحسن عليه السلام قال : سألته عن قول اللَّه تعالى
« وَآتُوا . . . »
قال : « كان أبي يقول : من الإسراف في الحصاد والجذاذ أن يصدّق الرجل بكفّيه جميعاً ، وكان أبي إذا حضر شيئاً من هذا فرأى أحداً من غلمانه يتصدّق بكفّيه صاح به : إعط بيد واحدة ، القبضة بعد القبضة ، والضغث « 4 » بعد الضغث من السنبل » « 5 » .
فالذي يظهر من هذه النصوص أنّ الإسراف منهيّ عنه حتى في العطاء والإنفاق المندوب إليه في الشريعة .
من هنا ذهب بعضهم إلى صدق الإسراف في وجوه البرّ والصدقة المستحبّة ، فإذا بلغ الإنفاق المستحبّ وصرف المال المستحبّ إلى الحدّ الذي يعتبره العرف العام إسرافاً يجب الكفّ عنه « 6 » .
وقد يستدلّ ببعض الأخبار الواردة عن المعصومين عليهم السلام في تأييد هذا الاتّجاه :
منها : ما رواه عبد اللَّه بن سنان عن الإمام الصادق عليه السلام في قول اللَّه تبارك وتعالى :
« وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً »
« 7 » فبسط كفّه وفرّق أصابعه وحناها شيئاً . . . وقال :
هامش
( 1 ) الأنعام : 141 .
( 2 ) الفرقان : 67 .
( 3 ) الأنعام : 141 .
( 4 ) الضغث : قبضة حشيش مختلط رطبها بيابسها . المصباح المنير : 362 .
( 5 ) الوسائل 9 : 203 ، ب 16 من زكاة الغلّات ، ح 1 .
( 6 ) التذكرة 14 : 208 . كفاية الأحكام 1 : 585 . الحدائق 20 : 356 .
( 7 ) الفرقان : 67 .