التوفيق في الأمور المادية والمعنوية ، ومنهم من لا يصل إلى ذلك ، هذا مضافاً إلى وجود قريحة الاستخدام في الإنسان ، وقد يستغل القويّ الضعيف والغالب المغلوب ، ولا حيلة للضعيف والمغلوب ما دام مغلوباً ، ولكن يقابل ظالمه إذا قوي وتمكّن بأشدّ الانتقام ، وعليه فعدم المساواة يؤدّي إلى فناء الحياة البشرية « 1 » ، ولعلّه إلى ذلك يشير قوله تعالى :
« وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا »
« 2 » .
ولا يستقيم الأمر إلّابالعدل والقسط والمساواة على حسب الشرائط والظروف .
كما أنّ ما نقرأه اليوم في تاريخ بعض الأمم - من العنصرية والتفريق بين أبناء الإنسان ، فيستغلّ الأبيض الأسود أينما وجده أو عثر عليه ، ويكون ملكاً له وفق القانون - هو نوع من أنواع الظلم واللامساواة « 3 » .
وأيضاً قسّم الناس في الهند إلى أربع طبقات وأنكروا المساواة بين الناس ، وقد منحت طبقة البراهمة - وهم الكهنة ورجال الدين - حقوقاً ومزايا ألحقتهم بالآلهة ، بينما عاملوا طبقة الشودر - وهم رجال الخدمة - معاملة البهائم والحيوانات ، ووضعوا رجال الحرب في الطبقة الثانية ، ورجال الزراعة والتجارة في الطبقة الثالثة . وكان العرب في الجاهلية يتعاملون بنفس الطريقة مع الضعفاء والفقراء ، فكان أثرياؤهم يأنفون من مصاهرة الضعفاء ، وكانت دية أحدهم أضعاف دية الضعفاء ، وكانت كلّ قبيلة تتفاخر على غيرها بأنسابها ، وهكذا .
فجاء الإسلام وأبطل العصبية والشعوبية والعنصرية وجعل الإنسان مكرّماً ، وجعل العدل والمساواة هما الأساس في الحقوق والواجبات ، وألغى التمايز بالعرق والجنس والإقليم والشعب وكلّ ما لا دخل له في جوهر الإنسان وإنسانيته ، قال تعالى :
« يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً »
« 4 » .
وبذلك يظهر أنّ الإسلام دين المساواة
هامش
( 1 ) الميزان 2 : 118 .
( 2 ) يونس : 19 .
( 3 ) الروضة 6 : 223 .
( 4 ) النساء : 1 .