تقدّمت ، والتي تمنع من قتل النفس حيث يقال بأنّ هذه الروايات المانعة تخصّص العمومات القرآنية ، فإذا دلّت الروايات على حرمة أن يقتل المرء نفسه ، تخصّص الآيات بما عدا ذلك .
فيرد عليه : أنّ تلك الروايات - كما أشرنا آنفاً - ناظرة إلى القتل بمعنى الإماتة من حيث هي من دون اقتران بعنوان آخر كالجهاد وحفظ الإسلام والدفاع عنه ؛ فإنّ تلك العناوين لا نظر للروايات المتقدّمة إليها ، أي هي ليست ناظرة إلّالحكم الإماتة وإزهاق النفس مع قطع النظر عن طروّ تلك العناوين الثانوية .
وإن شئت قلت : العرف يرى أنّ عنوان الجهاد والدفاع ونحو ذلك كأنّه أمر آخر غير قتل الإنسان نفسه فلا إطلاق أساساً فيها لكي تشمل الجهاد فتلغي مشروعيته ، وعليه لا تكون هذه الروايات شاملة لموارد الجهاد والقتال في سبيل اللَّه .
ولو فرضنا شمولها لذلك فالنسبة بينهما هي العموم والخصوص المطلق ؛ لأنّ الآيات والروايات تتحدّث عن فضل القتل في سبيل اللَّه وكلّ قتل ينشأ عن فعل جهادي ، والآيات والروايات الناهية عن قتل النفس - لو فرضنا شمولها لموردنا - فهي إنّما تشمله بالإطلاق ، وعندها تقتضي القاعدة تقييد هذه الإطلاقات بما ورد من مقيّدات ومخصّصات ، فينتج استثناء القتل في سبيل اللَّه من حكم حرمة قتل النفس ، وهو ما يشمل العمليات الاستشهادية .
وقد تعرّض بعض الفقهاء المعاصرين لحكم العمليات الاستشهادية التي يقوم بها المجاهدون ، وأفتى بجوازها ، بل عدّها البعض منهم من أفضل درجات الشهادة والتضحية بالنفس في سبيل الدين ، وقيّده بعضهم بوجوب مراعاة الشروط اللازمة لتوقّف الدفاع عن النفس والعرض على هذا النوع من العمليات ، ولا يختصّ ذلك بالتعرّض للعسكريّين من أفراد العدوّ ، بل يشمل أيضاً التعرّض إلى المدنيّين منهم أيضاً إذا كانوا من المؤيّدين للعدوّ في عدوانه ، وكانوا ممّن يتقوّى بهم كيان العدوّ « 1 » .
هامش
( 1 ) انظر : صراط النجاة 1 : 511 . مجلة الحياة الطيبة 10 : 113 - 135 ، 375 - 380 .