وكذا يستفاد ذلك من حكمهم بوجوب حفظ النفس ولو بتناول المحرّم من الأطعمة لو لم يجد المضطرّ غيرها ؛ لتوقّف بقاء حياته عليه ، وفتواهم بعدم جواز تركه والتنزّه عنه في هذه الحال .
قال المحقّق الحلّي : « القصد حفظ النفس ، وهل يجب التناول للحفظ ؟ قيل : نعم ، وهو الحقّ ، فلو أراد التنزّه والحال حالة خوف التلف لم يجز » « 1 » .
وقد استدلّوا على وجوب حفظ النفس بقوله سبحانه وتعالى :
« وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً »
« 2 » ، وقوله تبارك وتعالى أيضاً :
« وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ »
« 3 » .
هذا ، وقد صرّح بعض المعاصرين بحكم ذلك في جواب سؤال عن حكم إضراب السجين عن الطعام احتجاجاً على الحكم الصادر في حقّه أو على ظروف السجن الذي هو فيه ، حيث قال : « يجوز ذلك إلّا إذا وصل إلى مرتبة يخاف على النفس أو تؤدّي إلى نقص يعدّ جناية عليها ، فيحرم » « 4 » .
ج - الامتناع عن العلاج والتداوي :
لا شبهة في عدم عدّ الامتناع عن المعالجة من الأمراض والتداوي انتحاراً وإقداماً على قتل النفس عرفاً ، وكذا عند الفقهاء ، إذا كان لا يعلم أنّ هذا الترك يؤدّي إلى الموت ، وإن كان يعتبر تاركاً للواجب ، وهو حفظ النفس عن التلف .
نعم ، في الموارد التي يكون حفظ الحياة فيها متوقّفاً على المعالجة والتداوي وكان يعلم بذلك ، كما هو الحال في الجراح البليغة أو الأمراض المخوفة ، أو كان الجرح بسيطاً لكن تركه من دون معالجة يؤدّي إلى سريانه وكان العلاج موثوقاً به في رفع الخطر ، قد يحكم بشموله بحكم الانتحار ، إلّاأنّه قد يشكل بأنّ العرف لا يرى في المريض الذي يترك مداواة نفسه مع علمه بأنّه قد يؤدّي به ذلك إلى الموت أنّه منتحر .
ويمكن استظهار ذلك من كلام السيّد
هامش
( 1 ) الشرائع 3 : 230 .
( 2 ) النساء : 29 .
( 3 ) البقرة : 195 .
( 4 ) صراط النجاة 2 : 557 - 558 .