تخفيف العقوبة الثابتة بدليلها ، وأمّا تأثير الإقرار في ترتّب العقوبة فلا .
وأمّا الآية الثالثة فهي وإن كانت ظاهرة في الإقرار والاعتراف ، إلّاأنّها ليست ظاهرة في أنّ ترتيب الآثار على الأمر المعترف به أيضاً يكون بسبب الاعتراف واعتماداً عليه ، بل الآثار إنّما تترتّب لثبوت الأمر المعترف به في الواقع ، وأثر الاعتراف في هذا المجال إسكات المقرّ وسدّ باب الاعتراض .
ولعلّ هذا الاحتمال كالصريح في هذه الآية :
« أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا » ؛
إذ من المعلوم أنّ العذاب يوم القيامة ليس لإقرارهم بالشرك بل لنفس الشرك ، وأخذ الإقرار إنّما هو سدٌ لباب الاعتراض ، وهذا البيان بعينه يجري في الآية الخامسة أيضاً .
كما أنّ الآية الرابعة لا تدلّ على أكثر من حسن الإقرار بالواقع وعدم الكتمان ، ولو كان بضرر المقرّ ؛ دفعاً للنزاع والمراء تكويناً « 1 » ، كما ورد النهي عنه في الأخبار الكثيرة أيضاً .
وأمّا نفوذ هذا الإقرار وترتيب آثار المقرّ به واقعاً فليست الآية بصدد بيانه كما لا يخفى ، خصوصاً بعد ملاحظة عطف الوالدين والأقربين ، بعد وضوح عدم نفوذ الإقرار عليهم قطعاً .
وهذا قرينة واضحة على أنّ المقصود من الآية ليس بيان النفوذ الشرعي .
وقد صرّح ببعض ذلك بعض محقّقي المعاصرين « 2 » .
بل الإنصاف أنّ هذه الآيات لا تقع في سياق بيان حجّية الإقرار بوصف ذلك أمراً تشريعياً له آثاره القانونية ، ولهذا نجد أنّها أتت في سياق المسائل الأخروية أو ما شابه ذلك ، وفي لسانٍ من هذا النوع يصعب تكوّن ظهور للآيات في القضايا القانونية التي نحن بصددها هنا .
يضاف إلى ذلك أنّ الكتاب لو دلّ فقد يكون مجرّد إرشاد إلى البناء العقلائي الحاكم بنفوذ الإقرار وحجّيته .
هامش
( 1 ) القضاء في الفقه الإسلامي : 731 .
( 2 ) انظر : القضاء في الفقه الإسلامي : 730 - 732 .