ثالثا - حقيقة الإعانة :
وقع خلاف بين الفقهاء في بيان حقيقة الإعانة وقدّموا في ذلك أكثر من تفسير لها :
الأوّل : أنّ الإعانة تصدق بفعل بعض مقدّمات العمل المعان عليه مطلقا ولو بدون قصد الإعانة « 1 » ، وهو ظاهر الأكثر « 2 » .
ويؤيّده استعمال هذه الكلمة في بعض الأخبار ، كما في قوله صلّى اللّه عليه واله وسلم : « من أكل الطين فمات فقد أعان على نفسه » « 3 » .
وقول الصادق عليه السّلام : « فإن أكلته ومتّ فقد أعنت على نفسك » « 4 » .
ومن المعلوم أنّ من يأكل الطين لا يقصد الإعانة على نفسه والقضاء عليها .
ومن هذا القبيل أيضا قوله صلّى اللّه عليه واله وسلم : « من تبسّم في وجه مبتدع فقد أعان على هدم الإسلام » « 5 » .
الثاني : أنّها تتحقّق بإيجاد بعض مقدّمات فعل الغير بقصد الإعانة مطلقا « 6 » .
الثالث : أنّ الإعانة تتحقّق باقتران قصد الإعانة بوقوع الفعل المعان عليه في الخارج ، وإلّا فلا يتحقّق الحرام من جهة الإعانة على الإثم ، وإن كان قد يتحقّق من جهة قصدها ، بناء على حرمة الاشتغال بمقدّمات الحرام بقصد تحقّقه ، فمع تحقّقه يكون حراما من جهتين : من جهة الاشتغال بالمقدّمات ، ومن جهة الإعانة على الإثم « 7 » .
وهذا الوجه هو القدر المتيقّن من صدق الإعانة « 8 » ، إلّا أنّ الشيخ الأنصاري لم ير من الضروري الالتزام به ؛ لأنّ حقيقة الإعانة باعتقاده : هي الفعل بقصد حصول الشيء ، سواء حصل أم لم يحصل ، ومن اشتغل ببعض مقدّمات الحرام الصادر عن الغير بقصد التوصّل إليه فهو داخل في الإعانة على الإثم ، ولو تحقّق الحرام لم
هامش
( 1 ) المبسوط 4 : 682 . التذكرة 12 : 139 . الرياض 8 : 55 .
( 2 ) نسبه إليهم في المكاسب ( تراث الشيخ الأعظم ) 1 :
133 .
( 3 ) الوسائل 24 : 222 ، ب 58 من الأطعمة المحرّمة ، ح 7 .
( 4 ) الوسائل 24 : 222 ، ب 58 من الأطعمة المحرّمة ، ح 6 .
( 5 ) المستدرك 12 : 322 ، ب 37 من الأمر والنهي ، ح 12 .
( 6 ) حاشية الإرشاد ( حياة المحقّق الكركي ) 9 : 317 .
كفاية الأحكام 1 : 425 . مستمسك العروة 14 : 60 .
( 7 ) انظر : عوائد الأيّام : 76 - 79 .
( 8 ) القواعد الفقهية ( البجنوردي ) 1 : 366 .