المغفرة والتماسها ، فيكون مفهوما إنشائيا .
فهما بالدقّة معنيان متغايران مفهوما ومصداقا « 1 » . وممّا يدلّ على ذلك قوله تعالى :
وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ
« 2 » ، وقوله عليه السّلام في الحديث المشتمل على بيان جنود العقل والجهل : « التوبة وضدّها الإصرار ، والاستغفار وضده الاغترار » « 3 » ، حيث عدّهما جندين للعقل ، وجعل ضدّ التوبة الإصرار ، وضدّ الاستغفار الاغترار ، ومثله في بعض الأدعية والمناجاة « 4 » ، بل الاستغفار لكونه معنى إنشائيا طلبيّا قد يتحقّق بالنسبة إلى الغير ، فيستغفر الإنسان لغيره ، أي يطلب المغفرة له ، كاستغفار الرسول صلّى اللّه عليه واله وسلّم للمؤمنين ، قال تعالى :
وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ
« 5 » ، وهذا بخلاف التوبة ، فإنّه لا معنى للتوبة للغير .
وقد يظهر من بعض النصوص اتّحاد التوبة والاستغفار مثل قوله صلّى اللّه عليه واله وسلّم : « لا كبيرة مع الاستغفار » « 6 » ، و « دواء الذنوب الاستغفار » « 7 » ، ونحو ذلك ، إلّا أنّه محمول على إمكان كون الاستغفار ماحيا كالتوبة ، أو يكون المراد منه المرتبة الكاملة منه « 8 » ، كما ورد عن أمير المؤمنين عليه السّلام في الخبر المشهور المروي في نهج البلاغة ، في تفسير الاستغفار لمن قال بحضرته : استغفر اللّه ربّي وأتوب إليه ، فقال له الإمام :
« أتدري ما الاستغفار ؟ » « 9 » ، ثمّ فسّره بما يجمع الندم على ما مضى ، والعزم على الترك وقضاء الحقوق وغير ذلك ، وقد أطلق سلام اللّه عليه على المجموع اسم الاستغفار « 10 » .
[ 2 - الإنابة ]
2 - الإنابة : وهي الإقبال إلى اللّه تعالى ، والرجوع عن كلّ شيء سواه بالسرّ والقول والفعل ، حتى يكون دائما في فكر المكلّف وذكره وطاعته ، فهي أعلى درجات التوبة وأقصى مراتبها ؛ إذ هي رجوع عن الذنب
هامش
( 1 ) انظر : التنقيح في شرح العروة ( الطهارة ) 8 : 12 .
( 2 ) هود : 3 .
( 3 ) الكافي 1 : 22 - 23 ، ح 14 .
( 4 ) رسائل فقهية ( تراث الشيخ الأعظم ) : 56 - 57 .
مستمسك العروة 4 : 6 .
( 5 ) النساء : 64 .
( 6 ) التوحيد : 408 ، ح 6 .
( 7 ) البحار 93 : 279 ، ح 11 .
( 8 ) انظر : مستمسك العروة 4 : 6 .
( 9 ) نهج البلاغة : 549 ، الحكمة 417 .
( 10 ) انظر : رسائل فقهية ( تراث الشيخ الأعظم ) : 57 .