ولا مشاحة في الاصطلاح « 1 » .
ثانياً - ذمّ الحسد وحكمه التكليفي :
نهت الشريعة الإسلامية عن الحسد كتاباً وسنّة ، أمّا الكتاب فقوله تعالى :
( وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ )
« 2 » ، وقوله تعالى :
( وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ )
« 3 » .
وأمّا السنّة فمنها : ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال : « . . . فإنّ الحسد يأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب » « 4 » ، وقال النبي صلى الله عليه وآله : « لا تحاسدوا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخواناً » « 5 » .
ولا خلاف بين الإمامية « 6 » ، وهو إجماع سائر المذاهب « 7 » في أنّ الحسد إن كان بمعنى تمنّي زوال النعمة عن الغير فهو حرام ومعصية ؛ لأنّه اعتراض على الحقّ ، ومعاندة له ، ومحاولة لنقض ما فعله ، وإزالة فضل الله عمّن هو أهله له ، والأصل في تحريمه الكتاب والسنة ، وقد تقدّم ذلك في النقطة الأولى .
وذهب بعض الإمامية إلى أنّ الحسد من الكبائر مطلقاً ، وهو ظاهر الأخبار ، بل كاد أن يكون كفراً « 8 » .
وظاهر البعض الآخر أنّ الحسد معصية صغيرة ما لم يتظاهر بها ، فإن تظاهر كان معصية كبيرة « 9 » .
وصرّح بعض فقهاء الحنفية والشافعية وغيرهم بكون الحسد من الكبائر دون أن يذكر خلافاً لسائر فقهاء المذاهب « 10 » .
أمّا إذا كان الحسد مجازياً ، أي بمعنى الغبطة فإنّه محمود في الطاعة ، ومذموم في المعصية ، ومباح في الجائزات .
واستثنى البعض من أصحاب المذاهب من حرمة الحسد ما إذا كانت النعمة التي يتمنّى الحاسد زوالها عند كافر أو فاسق يستعين بها على معاصي الله تعالى « 11 » .
هامش
( 1 ) جامع السعادات 2 : 195 - 197 . المحجّة البيضاء 5 : 330 . صحيح مسلم بشرح النووي 6 : 97 ، ط . المصرية .
( 2 ) البقرة : 109 .
( 3 ) الفلق : 5 .
( 4 ) وسائل الشيعة 10 : 163 ، ب 11 من آداب الصائم ، ح 4 .
( 5 ) مستدرك الوسائل 9 : 118 ، ب 132 ، من أحكام العشرة ، ح 20 .
( 6 ) مسالك الأفهام 14 : 184 . كشف اللثام 10 : 298 . رياض المسائل 13 : 282 - 283 . جواهر الكلام 41 : 52 .
( 7 ) فيض القدير ( المناوي ) 3 : 549 . إحياء العلوم 3 : 188 ، ط . الحلبي . الموسوعة الفقهية الكويتيّة 17 : 273 .
( 8 ) مسالك الأفهام 14 : 184 .
( 9 ) الدروس الشرعية 2 : 126 . كشف اللثام 10 : 298 - 299 .
( 10 ) فيض القدير ( المناوي ) 3 : 548 . سبل السلام 4 : 182 . تفسير الرازي 18 : 94 .
( 11 ) فتح الباري 1 : 167 ، ط . الرياض . الموسوعة الفقهية الكويتيّة 17 : 274 .