السفه ، فهل يحتاج الحجر عليه إلى حكم الحاكم ؟ اختلف فيه فقهاء الإمامية إلى عدّة أقوال « 1 » :
الأوّل - توقّف الحجر عليه على حكم الحاكم ، وتوقّف ارتفاعه عنه على حكم الحاكم أيضاً ؛ لأنّ الحجر حكم شرعي لا يثبت ولا يزول إلّا بدليل شرعي ، ولأنّ السفه أمر خفي والأنظار فيه تختلف ، فناسب كونه منوطاً بنظر الحاكم .
الثاني - عدم توقّف الحجر عليه على حكم الحاكم ، وكذلك ارتفاع الحجر عنه ؛ لأنّ المقتضي للحجر هو السفه ، فيجب تحقّقه بتحقّقه وارتفاعه بارتفاعه ، وهو ظاهر قوله تعالى :
( فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ )
« 2 » ، حيث علّق الأمر بالدفع على إيناس الرشد .
الثالث - عدم توقّف الحجر على حكم الحاكم وثبوته بمجرّد السفه ، وتوقّفه في زواله على حكم الحاكم ؛ لأنّ المقتضي لثبوت الحجر وهو السفه فيجب تحقّقه بتحقّقه ، بخلاف ارتفاع الحجر فإنّه يحتاج إلى الاجتهاد وقيام الأمارات ، فيناط بنظر الحاكم .
الرابع : توقّف ثبوته على حكم الحاكم ، وزواله بنفسه بزوال السفه ؛ لأنّ حكم الحاكم كان مشروطاً بوجوده وزواله بزوال السفه .
وذهب جمهور فقهاء المذاهب القائلين بالحجر على السفيه إلى أنّ الحجر عليه لابدّ له من حكم حاكم ، كما أنّ فكّه يحتاج إلى حكم حاكم ؛ لأنّ الحجر إذا كان بحكم حاكم لا يزول إلّا به ، ولأنّ الرشد يحتاج إلى تأمّل واجتهاد في معرفته وزوال تبذيره فكان كابتداء الحجر عليه .
وذهب محمد بن الحسن من الحنفية ، وابن القاسم من المالكية إلى أنّ السفيه لا يحتاج في الحجر عليه إلى قضاء القاضي ؛ لأنّ فساده في ماله يحجره وصلاحه فيه يطلقه ؛ ولأنّ العلة في الحجر هي السفه ، فيدور الحكم مداره وجوداً وعدماً ، ولا يتوقّف على شيء آخر « 3 » .
( انظر : سفه )
هامش
( 1 ) انظر : مسالك الأفهام 4 : 158 - 159 . مفتاح الكرامة 16 : 133 - 139 .
( 2 ) النساء : 6 .
( 3 ) تبيين الحقائق 5 : 195 . الشرح الصغير 3 : 388 - 389 . أسنى المطالب 2 : 208 . المغني 4 : 519 - 520 .