لأنّ انقاذ النفس من الهلكة أو الإيذاء العظيم أو نحو ذلك ، لا يحصل إلّا بها في تقدير المكلّف ، لقوله تعالى :
( وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ )
« 1 » .
وقال بعضهم إنّ الصحيح عند العلماء أنّ الأولى للإنسان أن يثبت على ما هو عليه من الحقّ بظاهره كما هو بباطنه « 2 » . واستدلّوا به على ذلك من القرآن الكريم بما في سورة البروج وحكاية أصحاب الأخدود الذين اختاروا الصبر على عذاب الحريق في الأخدود على إظهار الرجوع عن الدين ، وما جاء من ثناء الله تعالى عليهم ، وكذا قوله تعالى :
( أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ )
« 3 » .
واستدلّوا له من السنّة الشريفة بقول النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : لا تشرك بالله شيئاً وإن قتلت وحُرّقت « 4 » .
وهكذا كلّ أمر فيه إعزاز للدين ، وإعلاء لكلمة الله ، وإظهار لثبات المسلمين وبسالتهم ، وتثبيت لعامة المسلمين على الحقّ يكون الثبات على الحقّ وإظهاره أولى من التقيّة بخلاف الإكراه على شرب الخمر وأكل الميتة « 5 » .
وقد ذكر الفخر الرازي أنّ التقيّة إنّما تكون إذا كان الرجل بين كفّار ، يخاف منهم على نفسه وماله فيداريهم باللسان ، فلا يظهر عداوتهم ، بل يجوز أن يظهر المحبّة والمودّة بالكلام ، ولكن بشرط أن يضمر خلافه ، وإن يعرض في كلّ ما يقول .
ولو ترك العمل بالتقيّة حيث يجوز له ذلك ، وأفصح بالإيمان والحقّ كان ذلك أفضل ، ودليله قصة مسيلمة .
وأنّها لا تجوز فيما يرجع ضرره إلى الغير ، كالقتل والزنا والغصب والشهادة بالزور وقذف المحصنات ، واطّلاع الكفّار على عورات المسلمين .
وأنّ التقيّة جائزة للمؤمنين إلى يوم الدين ؛ لوجوب دفع الضرر عن النفس بقدر الإمكان « 6 » .
هامش
( 1 ) النساء : 29 .
( 2 ) تفسير القرطبي 4 : 57 .
( 3 ) العنكبوت : 2 ، 3 .
( 4 ) مسند أحمد 5 : 238 ، ط المكتب الإسلامي .
( 5 ) المبسوط ( السرخسي ) 24 : 44 . الموسوعة الفقهية الكويتيّة 13 : 189 - 190 .
( 6 ) تفسير الرازي 8 : 14 ، ط البهية المصرية 1938 م .