إظهار المرء غير ما يبطن من العقائد :
لا يخرج إظهار المرء غير ما يبطن من أصول الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر عن حالين : إمّا أن يظهر الإيمان بها ويبطن الكفر ، أو يظهر الكفر بها ويبطن الإيمان . فإن أظهر الإيمان بها وتلبّس بشعار المسلمين ، وكان باطنه واعتقاده فاسداً ، فهو نفاق « 1 » ، مخلِّد لصاحبه في النار .
وأمّا إذا أظهر الكفر وأبطن الإيمان فإنّ ذلك لا يخلو من حالين :
الأوّل : أن يكون إظهار الكفر عن اختيار ، فيحكم على صاحبه بالكفر « 2 » ؛ لأنّ الظاهر حجّة ، والأحكام الفقهية تجري على الظاهر .
الثاني : أن يكون إظهار الكفر عن إكراه وقلبه مطمئن بالإيمان ، وهنا صورتان :
إمّا أن يكون في رتبة مَن يكون إظهار الإيمان منه إعزازاً للدين - كرؤساء المسلمين في العلم والدين والعبادة وتنفيذ الأحكام - ، فالأولى به عند فقهاء الإمامية إظهار الإيمان والامتناع من إظهار كلمة الكفر ، فإن قُتل على ذلك فهو شهيد ، ويجوز له ما أكره عليه « 3 » .
وإمّا أن يكون ممّن لا يؤثّر فعله ما أكره عليه أو اجتنابه عزّاً في الدين ، ففرضه ما دعي إليه ، فليورِّ في كلامه ما يخرج به عن الكذب ولا أثر لإظهار كفره ، وعندئذٍ تبقى أحكام الإيمان جاريةً عليه « 4 » ؛ لأنّ الضرورة تجيز إظهار كلمة الكفر .
وقد فصّل الفقهاء ذلك في بحثهم في الردّة وفي الإكراه ؛ مستندين في ذلك لقوله تعالى :
« مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ »
« 5 » .
هامش
( 1 ) جواهر الكلام 6 : 59 . الموسوعة الفقهية الكويتيّة 5 : 175 .
( 2 ) جواهر الكلام 6 : 48 . الموسوعة الفقهية الكويتيّة 5 : 175 .
( 3 ) انظر : الكافي في الفقه : 37 . رسائل فقهية ( تراث الشيخ الأعظم ) : 73 - 74 .
( 4 ) الخلاف ( الطوسي ) 5 : 503 ، م 4 . جواهر الكلام 41 : 609 . تفسير القرطبي 10 : 183 . المغني 8 : 145 ، ط المنار الثالثة . فتح القدير 7 : 299 .
( 5 ) النحل : 106 .