الأمارات والظنون فلا يكون الاختلاف بغيا ، لكنه تعالى حكم بأن
الاختلاف بغي وإن كان الثاني وأن لا يكون مقطوعا في متنه ودلالته بل يكون
من قبيل مجملات والمجاز ، فلا يتيقن طريق إلى العلم بأنواع الخطاب والعقل
لا يصلح هنا وهو ظاهر ، فبقي النقل ممن يحصل الجزم بقوله ، ولا بد من
طريق إلى الجزم بصدقه وبعلمه ، وذلك هو المعصوم ، وهو المطلوب والطريق
إلى معرفة صدقه ومعرفة عصمته وأما بالمعجزات أو بنص من الله تعالى أو من
النبي أو الإمام صريح على ذلك .
الثالث : قوله تعالى : * ( من بعد ما جاءتهم البينات ) * حكم بأن
اختلافهم بعد مجئ البينات التي يمكنهم معها العلم اليقيني بذلك ، وليس
ذلك من الكتاب والسنة فيكون إشارة إلى المعصومين المؤيدين بالمعجزات
والكرامات ، فإن لم يعلموهم فلتقصيرهم في النظر العقلي في معجزتهم
والنصوص الدالة عليهم والبراهين القطعية التي لا تحتمل النقيض .
الرابع : قوله تعالى : * ( فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق
بإذنه ) * إشارة إلى المعصومين ( 1 ) لأنا نعلم قطعا أنه لم يعلم جميع المتشابهات
وجميع المؤولات يقينا إلا المعصوم .
الخامس : قوله تعالى : * ( والله يهدي من يشاء إلى صرط مستقيم ) *
وذلك يدل على ثبوت المعصوم لأن الصراط المستقيم الذي لا يعتريه خطأ
أصلا لا يحصل إلا من قول المعصوم .
هامش
( 1 ) لعله طاب ثراه أراد أن المعصومين كانوا الطريق إلى هداية المؤمنين بإذنه سبحانه لأن غير
المعصوم يجوز عليه الخطأ ، فلا يكون طريقا لهداية المؤمنين بإذنه تعالى ، وكيف يجعل تعالى
طريقا إلى الهدى لا يصيب دائما .
وأما لو أراد أن المقصود من الذين آمنوا المعصومون ، فللكلام فيه مجال لعموم الآية لكل مؤمن
اهتدى بإذنه سبحانه سواء كان معصوما أو غير معصوم نعم إنما تدل على وجود المعصوم يقينا
من الناحية التي أشرنا إليها ، إذ أن المهتدي إلى الحق تماما إنما يكون من طريق المعصوم ، ولا
يحصل ذلك بغير المعصوم لجواز الخطأ على غير المعصوم ، وكيف يكون الطريق الذي يجوز
عليه الخطأ مأذونا منه سبحانه .