كل واحد منهم يختار رئيسا ، وذلك فتح باب عظيم للفساد ومناف للحكمة
الإلهية ( 1 ) تعالى الله عن ذلك .
الوجه الخامس : إن الله تعالى قد بين جميع أحكام الشريعة أجلها وأدونها
حتى بين الله تعالى كيفيات الأكل والشرب وما ينبغي اعتماده في دخول الخلاء
والخروج منه والعلامات الجليلة والحقيرة ، فكيف يهمل مثل هذا الأصل
العظيم ويجعل أمره إلى اختيار المكلفين مع علمه تعالى باختلافهم وتباين
آرائهم وتنافر طباعهم .
الوجه السادس : القول الذي حكيناه عن الجويني ( 2 ) ينافي مذهبهم من
استناد الأفعال إلى قضاء الله وقدره وإنه لا اختيار للعبد في أفعاله بل هو يجبر
عليها مقهور لا يتمكن من ترك فعله ( 3 ) .
الوجه السابع : القول باستناد الإمامة إلى الاختيار مناقض للغرض
ومناف للحكمة ، لأن القصد من نصب الإمام امتثال الخلق لأوامره ونواهيه
والانقياد إلى طاعته ، وسكون نائرة الفتن وإزالة الهرج والمرج وإبطال التغلب
والمقاهرة ، وإنما يتم هذا الغرض ويكمل المقصود لو كان الناصب للإمام عين
المكلفين لأنه لو استند إليهم لاختيار كل منهم من يميل طبعه إليه ، وفي ذلك
هامش
( 1 ) فإن حكمته تعالى في توحيد الزعيم جلية ، لأن الأمة تكون جميعها متمسكة بحبل واحد ،
ويكون قائدها واحدا ، ودليلها واحدا ، وفي ذلك من الفوائد دنيا ودينا ما لا يخفى على أحد ،
فيما إذا كان الزعيم جامعا للشروط .
( 2 ) إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن أبي محمد عبد الله بن يوسف الجويني الشافعي ، حكي
أنه جاور بمكة المكرمة أربع سنين وبالمدينة المنورة يدرس ويفتي ، فلذا لقب بإمام الحرمين ،
وله مصنفات كثيرة توفي عام 478 ه بنيسابور وجوين ناحية من نواحي نيسابور .
( 3 ) فإن قلت : إن قولهم بأن اختيار الإمام من الأمة أيضا راجع إليه سبحانه لسلبه الاختيار
منهم ، وإنما نسمي ذلك اختيارا منهم تجوزا ، لاستنادها ظاهرا إليهم ، وهذا لا ينافي قولهم
باستناد الأفعال إلى قضائه تعالى حقيقة ، قلنا : فلماذا إذن هذا النزاع والجدال ، فالأحرى
تسليمهم للقائلين بأن نصب الإمام منه عز شأنه دون رأي واختيار للأمة .