المخالف لهم وجوه :
الأول : إن الإمامية عندنا من جملة ما هو أعظم أركان الدين ، وإن
الإيمان لا يثبت بدونها ، وعندهم إنها ليست من أركان الدين بل هي من
فروع الدين لكنها من المسائل الجليلة والمطالب العظيمة ، فكيف يجوز استناد
مثل هذا الحكم إلى اختيار المكلف وإرادته ؟ ولو جاز ذلك لجاز فيما هو أدون
منه من أحكام الفروع .
الوجه الثاني : إن الشارع نص على عدم الخيرة ، فقال الله تعالى :
( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة
من أمرهم ) فنقول : إما أن يكون الله تعالى قضى بترك الإمامة فلا يجوز
للأمة الخيرة بإثباتها ( 1 ) وإما أن يكون قضى بها فتكون كغيرها من أحكام
الشريعة التي نص الله تعالى عليها ولم يهملها وهو المطلوب .
الوجه الثالث : القول بالاختيار ونصب الإمام بقول المكلفين تقديم بين
يدي الله تعالى ورسوله ، وقد نهى الله تعالى عن ذلك فقال عز من قائل :
* ( يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ) * .
الوجه الرابع : إن الله سبحانه وتعالى في غاية الرحمة والشفقة على العباد
والرأفة بهم ، فكيف يهمل الله تعالى أمر نصب الرئيس مع شدة الحاجة
إليه ( 2 ) ووقوع النزاع العظيم مع تركه ومع استناده إلى اختيار المكلفين ، فإن
هامش
( 1 ) بل حتى لو لم نعلم بقضائه تعالى بترك الإمامة وإنما علمنا سكوته عنها فإن السكوت أيضا يمنع
الأمة من الخيرة بإثباتها ، لأن سكوته تعالى إن كان لعدم وجوبها ، فكيف توجبها الأمة ؟ وإن
كان سكوته مع أنها واجبة عليه - فهو وإن كان محالا - إلا أن الأمة أجدر بالسكوت فيما سكت
عنه العليم اللطيف سبحانه أفهل ترى أن الأمة أعلم وأدرى بالواجب بالصالح ؟
( 2 ) ولو فرض محالا إنه تعالى أهمله مع شدة الحاجة إليه لكانت الأمة أحق بالاهمال ، فلماذا
تكلفت اختياره ؟ .
فإن قلت : إنما أهمله رأفة بالأمة لئلا يقعوا في محذور مخالفته ولئلا يقع الهرج والمرج بالنص
عليه ، قلنا : إذا كان في نصبه محاذير لم تكن في نصبه مصلحة أو تكون المفسدة أغلب ، فلا
يجب عليه نصبه ، فتكون الأمة في فسحة من هذا الواجب فهي بالاهمال أجدر فلا وجوب
عليها لهذه المحاذير .