فقيل له : تركت مذهب صاحبك ودخلت فيما لا أصل له ولا حقيقة ؟ !
فقال : إنّ صاحبي كان مخلّطا ، كان يقول طورا بالقدر ، وطورا بالجبر وما أعلمه اعتقد مذهبا دام عليه .
قال : ودخل مكّة تمرّدا وإنكارا على من يحجّ ، وكان يكره العلماء مساءلته إيّاهم ومجالسته لهم ، لخبث لسانه وفساد ضميره ، فأتى الصادق جعفر بن محمّد عليهما السّلام ، فجلس إليه في جماعة من نظرائه ، ثمّ قال له : يا أبا عبد اللّه ، إنّ المجالس أمانات ، ولا بدّ لكلّ من كان به سعال أن يسعل « 1 » ، فتأذن لي في الكلام .
فقال الصادق عليه السّلام : « تكلّم بما شئت » .
فقال ابن أبي العوجاء : إلى كم تدوسون هذا البيدر « 2 » ، وتلوذون بهذا الحجر ، وتعبدون هذا البيت المرفوع بالطوب « 3 » والمدر ، وتهرولون حوله هرولة البعير إذا نفر ، من فكّر في هذا أو قدّر ، علم أنّ هذا فعل أسّسه غير حكيم ولا ذي نظر ، فقل ، فإنّك رأس هذا الأمر وسنامه ، وأبوك أسّه ونظامه .
فقال الصادق عليه السّلام : « إنّ من أضلّه اللّه وأعمى قلبه استوخم الحقّ ، فلم يستعذبه وصار الشيطان وليّه ، يورده مناهل الهلكة ثمّ لا يصدره ، وهذا بيت استعبد اللّه به خلقه ليختبر طاعتهم في إتيانه ، فحثّهم على تعظيمه وزيارته ، وقد جعله محلّ
هامش
« لقد وضعت فيكم أربعة آلاف حديث أحرّم الحلال وأحلّل الحرام » ، قتله محمّد بن سليمان العبّاسي الأمير بالبصرة .
وفي أمالي السيّد المرتضى قدّس سرّه : 1 : 127 : إنّ عبد الكريم بن أبي العوجاء لمّا قبض عليه محمّد بن سليمان - وهو والي الكوفة من قبل المنصور - وأحضره للقتل ، وأيقن بمفارقة الحياة ، قال :
« لئن قتلتموني لقد وضعت في أحاديثكم أربعة آلاف حديث مكذوبة مصنوعة » .
( 1 ) سعل - كنصر - سعالا وسعلة - بضمّهما - : وهي حركة تدفع بها الطبيعة أذى من الرئة والأعضاء الّتي تتّصل بها . ( القاموس )
( 2 ) قال في لسان العرب : 4 : 50 : البيدر : الموضع الّذي يداس فيه الطعام .
( 3 ) قال الفيروزآبادي في القاموس : 1 : 99 : الطوب - بالضم - : الأجر .