تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ولاية الأمر ، دراسة فقهية مقارنة — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
وقد قرأنا قبل قليل كلمة الإمام احمد برواية عبدوس بن مالك القطان : ( ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسمِّي أمير المؤمنين ، لا يحلّ لأحد يؤمن باللَّه واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماماً ، برّاً كان أو فاجراً ) . وحتى فيما إذا كان من غير الممكن إعادة الولاية والإمامة إلى أهلها ، واقتضى الأمر التسليم ، فإنّ هذا التسليم أمر مؤقّت ، وعلى المسلمين العمل والإعداد لإسقاط الحاكم الظالم ، ويجب العمل لهذا الإعداد حتى في فترة التسليم ومسايرة النظام الحاكم . وهذه كلّها حقائق واضحة لا يمكن التشكيك فيها ، بينما يذهب جمهور فقهاء أهل السنّة إلى وجوب الانقياد . وجوب الانقياد للحاكم المتسلّط : التسليم له ، وقبول إمامته ، وحرمة معارضته من دون قيد أو شرط ، ولا مبرّر على الإطلاق لمثل هذا الإطلاق . النقطة الثانية : إنّ مآل هذا الاستدلال - إذا سلم من المؤاخذة الأولى - إلى قاعدة الضرر المعروفة لدى الفقهاء ، والتي تبتني على الحديث المعروف عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم لا ضرر ولا ضرار . وتقرير الاستدلال بقاعدة الضرر أنّ تحريم الركون إلى الظالمين ، ووجوب المقاومة والرفض عندما يتسبّب للفئة المؤمنة بضرر بليغ ، ويكون ضرره أكبر من نفعه ، يختصّ بغير حالة الاضرار بالمكلّف ، فأنّ قاعدة الضرر ترفع الحكم بتحريم الركون إلى الظالم ووجوب مقاومته ، ما دام هذا التحريم والوجوب يكون سبباً في الإضرار بالمؤمن . إذن ، فإنّ قاعدة الضرر ترفع إطلاق الحكم بالحرمة عن قوله تعالى :
وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا
وترفع النهي عن طاعة المسرفين في قوله تعالى :
وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ
، وليس من شكّ أنّ القاعدة حاكمة على إطلاقات الأحكام الأولية ،
ولاية الأمر ، دراسة فقهية مقارنة — صفحة 126 | الشيخ محمد مهدي الآصفي