ربوبيّته فلا يتّبعونه ، فلمّا رأى شدّة تماديهم في الغيّ والضلال ، وتركهم قبول قوله وما دعاهم من الرشد والنجاح ، قال : يا ربّ ، إنّ عبادك أبوا إلّا تكذيبي والكفر بك ، وغدوا يعبدون شجرة لا تنفع ولا تضرّ ، وسحرهم أجمع ، فأرهم قدرتك وسلطانك .
فأصبح القوم وقد يبس الشجر كلّها ، ففظعوا به « 1 » وهالهم ذلك ، وصاروا فرقتين :
فرقة قالت : سحر آلهتكم هذا الرجل الذي يزعم أنّه رسول ربّ السماء إليكم ؛ ليصرف وجوهكم عن آلهتكم إلى إلهه ، وفرقة قالت : لا ، بل غضبت آلهتكم حين رأت هذا الرجل يعيبها ويدعوكم إلى عبادة غيرها ، فحجبت حسنها وبهاءها عنكم لكي تعظّموها ، فانظروا فيهم !
فأجمع رأيهم على قتله ، واتّخذوا أنابيب من رصاص طوال واسعة الأفواه ، ثمّ أرسلوها من قرار العين إلى أعلى الماء ، واحدة فوق الأخرى مثل البرابخ « 2 » ، ونزحوا ما فيها من الماء ، ثمّ حفروا في قرارها من الأرض بئرا عميقة ضيّقة المدخل ، وأرسلوا فيها نبيّهم وألقموا فاها صخرة عظيمة ، ثمّ أخرجوا الأنابيب من الماء وقالوا :
نرجو الآن أن ترضى عنّا آلهتنا إذا رأت أنّا قتلنا من يعيبها ويقع فيها ، ويصدّ عن عبادتها ، ودفنّاه تحت كبيرها يشتفي منه ، فيعود لنا نورها ونضرتها كما كان .
فبقوا عامّة يومهم يسمعون أنين نبيّهم وهو يقول : ترى يا ربّ « 3 » ضيق مكاني وشدّة كربي وقلّة حيلتي ، فعجّل بقبض روحي ، ولا تؤخّر إجابة دعوتي ، حتّى مات .
فقال تعالى لجبريل : انظر إلى عبادي هؤلاء الذين غرّهم حلمي وأمنوا مكري وعبدوا غيري وقتلوا رسولي هل يقومون لغضبي أو يخرجو [ ن ] من سلطاني ، فأنا المنتقم ممّن عصاني ولم يخش عقابي ، وإنّي حلفت بعزّتي لأجعلنّهم عبرة للعالمين .
فلم يشعروا وهم في عيدهم إلّا بريح عاصف شديد الحمرة ، فتحيّروا فيها وذعروا
هامش
( 1 ) . لعلّ هذا هو الصواب ، وفي النسخة : « فقطعونه » وفي العلل والعيون : فهالهم ذلك وقطع بهم .
( 2 ) . جمع البربخ ما يعمل من الخزف للبئر ومجاري المياه .
( 3 ) . في النسخة : يقول : سترا يا رب ، وفي علل الشرائع والعيون : وهو يقول : « سيّدي قد ترى ضيق مكاني » .