القول الثاني : أنّ الخروج واجب وحرام معاً . وهو ما ينسب إلى أبي هاشم « 1 » ، واختاره الميرزا القمي ناسباً إيّاه إلى الأكثر من متأخري الإمامية « 2 » .
وقد استدلّ الميرزا القمي لهذا القول بوجود الإطلاق في كلٍّ من الأمر والنهي ، ولا موجب لرفع اليد عن إطلاق كلٍّ منهما ، والمانع المتصور هو إمّا اجتماع الضدين أو التكليف بما لا يطاق ، وكلٌّ منهما لا يصلح أن يكون مانعاً ؛ أمّا اجتماع الضدين فلتعدّد العنوان وانفكاك الجهة ، وأمّا التكليف بما لا يطاق فلأنّ المكلّف هو السبب في ذلك ، والامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار « 3 » .
القول الثالث : أنّ الخروج مأمور به ويجري عليه حكم المعصية للنهي السابق . وهو اختيار الجويني « 4 » والرازي « 5 » والأصفهاني « 6 » .
ودليل هذا القول هو أنّ الخروج مأمور به عقلًا وشرعاً ، والنهي وإن سقط بالاضطرار إلى الغصب إلّاأنّ حكم المعصية ثابت في حقه ؛ لأنّه هو الذي تسبب في ارتكاب الغصب .
القول الرابع : أنّ الخروج غير مأمور به ولا منهيّ عنه فعلًا ، مع حكم العقل بلزوم الخروج وثبوت حكم المعصية في حقه . وهو اختيار الآخوند الخراساني « 7 » والحائري « 8 » والخوئي « 9 » .
ويستند هذا القول إلى دعويين « 10 » :
الأولى : أنّ الخروج غير منهيّ عنه فعلًا ، بل بالنهي السابق .
الثانية : أنّ الخروج غير مأمور به .
ومستند الدعوى الأولى هو أنّ الاضطرار يوجب سقوط الخطاب ، فلا يكون منهيّاً عنه فعلًا ، لكنه لا يوجب سقوط العقاب ، فالذي يضطر إلى ارتكاب الحرام بسوء اختياره يحكم العقل عليه بثبوت العقاب .
ومستند الدعوى الثانية هو بطلان ما يدّعى من تصوير كون الخروج مقدمة للخلاص من الحرام ، ومقدمة الواجب واجبة ، فيكون الخروج مأمور به ، لكن هذا التصوير لا مجال له ؛ بسبب أنّ الاضطرار الناشئ من سوء الاختيار لا يرفع مبغوضية الفعل وهو الخروج ، ومثله لا يصلح للمقدّمية والمحبوبية .
نعم ، الخروج واجب عقلًا من باب دفع الأفسد بالفاسد وارتكاب أخفّ المحذورين « 11 » .
القول الخامس : أنّ الخروج منهيّ عنه فعلًا لا غير .
وهو اختيار العلّامة الحلّي « 12 » والمظفر « 13 » .
الجهة الثانية : في الحكم الوضعي بالنسبة
إلى صحة الصلاة وعدمها أثناء الخروج .
لم يتطرّق أهل السنّة إلى بحث هذه الجهة ؛ لأنّ الأكثر منهم ذهب إلى جواز الاجتماع ، وبالتالي فالصلاة صحيحة
هامش
( 1 ) . انظر : البرهان في أصول الفقه 1 : 102 ، شرح مختصر المنتهى 2 : 212 .
( 2 ) . القوانين المحكمة : 73 .
( 3 ) . القوانين المحكمة : 73 ، وانظر : مطارح الأنظار 1 : 706 .
( 4 ) . البرهان في أصول الفقه 1 : 103 .
( 5 ) . كما نسبه إليه الميرزا القمي في القوانين المحكمة : 74 . ولم نعثر عليه في المحصول .
( 6 ) . الفصول الغروية : 138 .
( 7 ) . كفاية الأصول : 168 - 169 .
( 8 ) . درر الفوائد 1 - 2 : 161 .
( 9 ) . مصباح الأصول 1 ق 2 : 229 .
( 10 ) . كفاية الأصول : 168 - 169 ، وانظر : منتهى الدراية 3 : 244 .
( 11 ) . مصباح الأصول 1 ق 2 : 229 .
( 12 ) . نهاية الوصول 2 : 81 - 82 .
( 13 ) . أصول الفقه 1 - 2 : 404 - 405 .