الصلاة في المكان المغصوب يسقط الفرض عندها لا بها ، مع قولهم بعدم جواز الاجتماع ؛ للإجماع المنعقد على عدم وجوب إعادة الصلاة في المكان المغصوب مع عدم وقوعها على صفة الأمر ، وطريق الجمع بينهما هو الحكم بسقوط الفرض عندها لا بها ؛ لأنّها غير مأمور بها .
ومع ذلك استدلّ القائلون بالصحة بعدّة أدلّة :
الأول : أنّ الإجماع منعقد على صحة الصلاة في المكان المغصوب ، وهنا الإجماع مستفاد من إقرار الفقهاء للظلمة وعدم الإنكار عليهم ، وعدم أمرهم بإعادة صلواتهم التي صلّوها في مكان مغصوب ، مع كثرة تلك الموارد « 1 » .
الثاني : أنّ إطلاقات أدلّة الصلاة شاملة لكلّ صلاة ، حتى التي تقع في مكان مغصوب « 2 » .
وقد انفرد الطوفي بذكر أدلة أخرى لتصحيح الصلاة في الأرض المغصوبة « 3 » .
وأمّا القائلون بالفساد فقد استدلّوا بعدّة أدلّة :
الأول : اشتراط نيّة القربة في العبادة ، ومع كونها غصباً ومنهيّاً عنها لا يمكن التقرّب بها ، فلا تقع صحيحة « 4 » .
الثاني : أنّ شغل الحيّز داخل في مفهوم الصلاة وهو حرام ، فتكون الصلاة مشتملة على جزء حرام ، فلا تتصف بالوجوب ، فلا تقع صحيحة « 5 » .
الثالث : أنّ الصلاة في المكان المغصوب لو كانت صحيحة لصح صوم عيد الأضحى ؛ لإمكان تعدّد الجهة فيه ، وهو باطل باتفاق الكلّ ، فتكون الصلاة باطلة أيضاً « 6 » .
وأمّا المتأخرون من الأصوليين ، فإنّهم ذكروا للمسألة تفصيلات عدّة ، ولم يبنوا المسألة على مطلق الجواز أو الامتناع ، ولذلك ذكروا لها عدّة فروض :
الفرض الأول : بناءً على القول بامتناع اجتماع الأمر والنهي وتقديم جانب النهي ، سوف تقع الصلاة فاسدة مع العلم بالحرمة ؛ لأنّه لا أمر بالصلاة أصلًا حتى يقال بالصحة ، وليس في المأتي به ما يصلح للتقرّب به مع تقديم جانب النهي وفعليّته « 7 » .
ويلحق بهذا الفرض الجهل بالحرمة تقصيراً .
الفرض الثاني : بناءً على القول بامتناع اجتماع الأمر والنهي وتقديم جانب النهي أيضاً ، لكن مع الجهل بالحرمة قصوراً لا تقصيراً أو عن نسيان ، فبالإمكان تصحيح العبادة إذا أُتي بها على وجه القربة ، ولعلّ الوجه في صحتها هو اشتمالها على الملاك والمصلحة الذاتية ممّا يمكن التقرّب بها وإن لم يكن الأمر فعليّاً « 8 » .
وذهب جماعة إلى البطلان حتى في هذا الفرض « 9 » ؛ باعتبار أنّ دليل الأمر ودليل النهي يصبحان كالمتعارضين ، فإذا قدّم جانب النهي معناه عدم وجود الأمر أصلًا ؛ للتكاذب بين المتعارضين ، وإذا لم يوجد الامر في نفسه فلا معنى لوجود المصلحة الذاتية له حتى يصح التقرّب به « 10 » .
الفرض الثالث : بناءً على القول بامتناع اجتماع الأمر
هامش
( 1 ) . المستصفى 1 : 92 - 93 .
( 2 ) . انظر : المحصول ( الرازي ) 1 : 344 ، تيسير التحرير 2 : 221 .
( 3 ) . شرح مختصر الروضة 1 : 372 - 373 .
( 4 ) . انظر : قواطع الأدلة 1 : 244 .
( 5 ) . انظر : الإحكام ( الآمدي ) 1 - 2 : 101 ، شرح مختصر المنتهى 2 : 210 ، التحبير شرح التحرير 2 : 961 .
( 6 ) . شرح مختصر المنتهى 2 : 210 .
( 7 ) . انظر : كفاية الأصول : 156 ، أصول الفقه ( المظفر ) 1 - 2 : 399 ، مصباح الأصول 1 ق 2 : 182 .
( 8 ) . انظر : كفاية الأصول : 156 - 157 ، أصول الفقه ( المظفر ) 1 - 2 : 399 .
( 9 ) . انظر : فوائد الأصول 1 - 2 : 434 ، مصباح الأصول 1 ق 2 : 187 .
( 10 ) . انظر : أصول الفقه ( المظفر ) 1 - 2 : 399 - 400 .