ولا يدخل في هذا البحث الإمكان بمعنى الاحتمال ، كما في قولهم : « كلّ ما قرع سمعك فذره في بقعة الإمكان » « 1 » ؛ لأنّه بهذا المعنى أمر وجداني غير قابل للإنكار « 2 » .
ولا يدخل أيضاً الإمكان الذاتي الذي يعني أنّ الشيء بذاته ليس ضروري الوجود ولا ضروري العدم ؛ إذ لا كلام في أنّ اجتماع الحكمين ممكن بهذا المعنى أيضاً ؛ لعدم حكم العقل بامتناعه بمجرد لحاظه كاجتماع النقيضين ، بل بعد الالتفات إلى ما يترتب على وقوعه من محاذير « 3 » ، إذا كانت هناك محاذير .
والمقصود من الحكم الظاهري : ما يعمّ المأخوذ في موضوعه الشك كأصالة البراءة ، وغير المأخوذ في موضوعه الشك كالأحكام الظنية المستفادة من الأمارات ، في مقابل الحكم الواقعي الثابت في اللوح المحفوظ .
وبعبارة أخرى : إنّ للحكم الواقعي إطلاقين : أحدهما :
ما يقابل الأصول العملية ، وهي الأحكام الثابتة بالأمارات التي لم يؤخذ في موضوعها الشك وإن جعل في ظرف الشك ، والآخر : ما كان ثابتاً في اللوح المحفوظ .
والإطلاق الثاني هو المراد بالحكم الواقعي هنا ، دون الإطلاق الأول الداخل في الحكم الظاهري .
شبهة امتناع اجتماع الحكم الظاهري والواقعي
ذهب علماء الإمامية إلى إمكان اجتماع الحكم الظاهري والواقعي ، بينما يظهر من اختيار أكثر علماء الجمهور لمسلك التصويب رفضهم لإمكان الاجتماع ، رغم عدم تعرضهم لهذه المسألة بصورة مباشرة ، بل لم يتعرض لها حتى من لم يسلك طريق التصويب منهم .
وقد أثيرت مسألة إمكان اجتماع الحكم الظاهري والواقعي ، بعد أن طرح ابن قبة مسألة إمكان التعبّد بالظن ، حيث لخصها الشيخ الأنصاري في نقطتين : الأولى : هي أنّه لو جاز التعبّد بخبر الواحد في الإخبار عن النبيّ صلى الله عليه وآله لجاز الإخبار به عن اللَّه تعالى .
الثانية : أنّ العمل بخبر الواحد موجب لتحليل الحرام وتحريم الحلال « 4 » .
وأضاف بعض علماء الجمهور نقطة ثالثة مفادها : أنّ في الشريعة مصالح تفوت على المكلّف بسبب العمل بخبر الواحد ؛ لاحتمال عدم مطابقته للواقع « 5 » .
جواب علماء الجمهور
وخلاصة ما أجاب به الجمهور عن هذه الشبهات : أولًا :
أنّ الإخبار عن اللَّه تعالى ودعوى النبوة من الأمور النادرة التي لايعوّل عليها العقلاء بمجرد الظن بصدق الخبر ، بل يطالبون المدّعي بدليل قطعي لإثبات دعواه .
وثانياً : أنّ خبر الواحد وإن كان يؤدّي أحياناً إلى تحليل الحرام وتحريم الحلال ، إلّاأنّ إقرار العمل به من قبل اللَّه تعالى بالأدلة القطعية يجعله عين الصواب ومطلوباً له تعالى .
وثالثاً : أنّ المصلحة لا تفوت على المكلّف بسبب
هامش
( 1 ) . هذا ما اشتهر عن ابن سينا ، لكن الموجود بلفظ « فالصواب أن تسرحأمثال ذلك إلى بقعة الإمكان ما لم يذدك عنه قائم البرهان » الإشارات والتنبيهات 4 : 160 وانظر : زبدة الأصول ( الروحاني ) 3 : 82 .
( 2 ) . كفاية الأصول : 276 .
( 3 ) . انظر : الإحكام ( الآمدي ) 1 - 2 : 285 ، نهاية الدراية 3 : 118 ، نهايةالأفكار 3 : 56 ، مصباح الأصول 2 : 90 ، منتقى الأصول 4 : 140 .
( 4 ) . فرائد الأصول 1 : 105 - 106 .
( 5 ) . انظر : المعتمد 2 : 104 ، الإحكام ( الآمدي ) 1 - 2 : 285 .