وقد استدلّ الأصوليون بهذه الآية في بحثين :
الأول : حجّية خبر الواحد ؛ لكون الآية أوجبت السؤال عمّا لا نعلم ، ووجوب السؤال يدلّ على وجوب قبول قول العالم بالملازمة ، وحيث إنّ الأمر بالوجوب مطلق من دون قيد ، فيكون وجوب القبول مطلقاً وإن لم يفد الجواب العلم ، وهذا معناه حجّية قوله ليس إلّا .
وقد واجه الاستدلال بالآية هنا جملة من الإشكالات تراجع في محلّها « 1 » .
( خبر )
الثاني : وجوب التقليد ؛ وذلك بدعوى أنّ المراد بأهل الذكر أهل العلم ، ومعنى ذلك وجوب رجوع الجاهل إلى العالم ، وهذا يفيد حجّية فتوى المجتهد بالنسبة لغير المجتهد .
ولم يسلم هذا الاستدلال من المناقشات ، فراجعها في مظانها . « 2 »
( تقليد ، اجتهاد )
آية الكتمان
خالد الغفوري
وهي قوله تعالى :
« إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ »
« 3 »
.
استدلّ الأصوليون بهذه الآية على حجّية خبر الواحد ؛ فإنّ فيها تهديداً شديداً لمن يكتم الحقّ والهدى ، وهو واضح في تحريم الكتمان ، ويُفهم من ذلك وجوب الإظهار ، ووجوب الإظهار يدلّ بدلالة الاقتضاء على وجوب القبول من الغير حال الإظهار ، وإلّا كان تحريم الكتمان ووجوب الإظهار من دون إيجاب القبول لغواً .
وبما أنّ الآية مطلقة ولم يقيّد فيها الحكم بحرمة الكتمان ووجوب الإظهار بأيّ قيد ، فيكون وجوب القبول مطلقاً أيضاً ، أي سواء حصل العلم من قول المتكلّم أو لم يحصل ، وهذا يساوق حكم الشارع بحجّية خبر الواحد .
وقد أورد المحقّقون عدّة مناقشات حول الاستدلال بالآية « 4 » .
( خبر )
آية المجاهدة
خالد الغفوري
وهي قوله تعالى :
« وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ »
« 5 »
.
استدلّ بها على لزوم الاحتياط في الشبهات البدوية وعدم إجراء البراءة ، وذلك بأن يبذل الإنسان جهده لتحصيل رضا اللَّه وثوابه واجتناب سخطه وعقابه ، فيقوم بكلّ ما هو محتمل وجوبه ، ويجتنب كلّ ما هو محتمل حرمته .
ولم يقبل المحقّقون هذا الاستدلال ، وحملوا الطلب في الآية على مطلق الرجحان ، فتكون بذلك دالّة على رجحان الاحتياط لا لزومه ، هذا إذا أُخذ الجهاد بالمعنى الأعم ، وأمّا إذا أُخذ بالمعنى الأخص ، وهو الجهاد مع العدوّ ، فتكون الآية خارجة عن هذا البحث « 6 » .
آية النبأ
خالد الغفوري
وهي قوله تعالى :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ »
« 7 »
.
وتسمّى بآية التثبّت .
إنّ الظاهر من الآية - بقرينة مورد نزولها « 8 » - أنّها واردة مورد الردع عن بناء عقلائي قائم آنذاك ، وهو الاعتماد على خبر الواحد وإن كان غير مؤتمن على ما ينقل ، بقرينة تعليقها التبيّن على نبأِه بالخصوص « 9 » .
وتحليل الدلالة كالتالي :
1 - لقد دلّت بمنطوقها على وجوب التبيّن عند سماع الخبر من الفاسق ، وقد اختلفوا في كون وجوب التبيّن نفسياً أو لا . وقد استظهر بعض أنّ وجوب التبيّن طريقي ، أي بهدف العمل على طبقه وترتيب الأثر عليه ؛ وذلك بقرينة التعليل المذكور في الآية
« أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ » .
هامش
( 1 ) . انظر : الفصول في الأصول 3 : 79 ، الإحكام ( الآمدي ) 1 - 2 : 294 ، فرائد الأصول 1 : 288 - 290 ، مقالات الأصول 99 - 100 ، مصباح الأصول 2 : 189 - 190 .
( 2 ) . الإحكام ( الآمدي ) 1 - 2 : 295 ، مستمسك العروة الوثقى 1 : 13 ، التنقيح في شرح العروة الوثقى 1 : 88 - 90 ، مباحث الأصول ( الصدر ) 2 ق 2 : 476 .
( 3 ) . البقرة : 159 .
( 4 ) . انظر : الفصول في الأصول 3 : 75 ، العدّة في أصول الفقه ( الطوسي ) 1 : 113 - 114 ، الإحكام ( الآمدي ) 1 - 2 : 294 ، فرائد الأصول 1 : 287 - 288 .
( 5 ) . الحج : 78 .
( 6 ) . انظر : فرائد الأصول 2 : 62 ، تنقيح الأصول ( العراقي ) : 54 ، تهذيب الأصول ( الخميني ) 2 : 193 - 194 .
( 7 ) . الحجرات : 6 .
( 8 ) . مجمع البيان 9 : 241 - 242 ، الدرّ المنثور 7 : 555 .
( 9 ) . الأصول العامة للفقه المقارن : 198 - 199 .