معنى المصلحة المرسلة
المصلحة لغةً ضد المفسدة « 1 » ، واصطلاحاً : المحافظة على مقصود الشرع ، كما صرّح بذلك بعض الأصوليين :
قال الغزالي : « . . . هي عبارة في الأصل عن جلب منفعة أو دفع مضرّة ، ولسنا نعني به ذلك ، فإنّ جلب المنفعة ودفع المضرّة مقاصد الخلق وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم ، لكنا نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع ، ومقصود الشرع من الخلق خمسة وهو : أن يحفظ عليهم دينهم ، ونفسهم ، وعقلهم ، ونسلهم ، ومالهم ، فكلّ ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة ، وكلّ ما يفوّت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة » « 2 » .
وقال الخوارزمي : « المراد بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع بدفع المفاسد عن الخلق » « 3 » .
وعرّفها الطوفي ب « السبب المؤدي إلى مقصود الشرع عبادةً وعادةً » « 4 » .
وأمّا الإرسال ، فمن معانيه لغةً الإطلاق والإهمال « 5 » ، وهو هنا كذلك ؛ بمعنى إهمال الشارع وعدم شهادته لها بالاعتبار ولا بالإلغاء ، أو إطلاقها وعدم تقييدها بشيء من ذلك « 6 » .
هذا إجمالًا معنى المفردتين ، وأمّا المركّب - أعني « المصالح المرسلة » - فقد ذكرت له عدّة تعاريف :
فقيل : « هي ما لا تستند إلى أصل كلّي ولا جزئي » « 7 » .
وقيل : « إنّها كلّ منفعة داخلة في مقاصد الشرع دون أن يكون لها شاهد بالاعتبار أو الإلغاء » « 8 » .
وقيل : « إنّها ما لا يشهد له أصل بالاعتبار ولا بإلغاء لا بالنص ولا بالإجماع » « 9 » .
ثانياً : الأقسام
قسّم الأصوليون المصلحة باعتبارين : الأول اعتبار الشارع وشهادته لها بالاعتبار أو الإلغاء ، والثاني باعتبار قوتها وضعفها .
1 - أقسام المصلحة بالإضافة إلى شهادة الشارع :
قسِّمت المصلحة باعتبار شهادة الشرع لها إلى ثلاثة أقسام :
الأول : ما شهد الشرع باعتباره
، ومثّل له بتحريم المسكر من كلّ مشروب أو مأكول ، قياساً على الخمر ؛ لأ نّها حرّمت لحفظ العقل الذي هو مناط التكليف ، فتحريم الشرع الخمر دليل على ملاحظة هذه المصلحة . وهذا يرجع إلى القياس « 10 » .
الثاني : ما شهد الشرع ببطلانه
، ومثّل له بقول بعض العلماء لبعض الملوك لمّا جامع في نهار رمضان وهو صائم : يتعيّن عليك صوم شهرين متتابعين ، فلما أنكر عليه حيث لم يأمره بإعتاق رقبة مع اتساع ماله ، قال : لو أمرته بذلك لسهّل عليه ، واستحقر إعتاق رقبة في قضاء شهوته « 11 » .
وهذا باطل بالاتفاق ، لأنّه حكم على خلاف حكم اللَّه ، حيث أوجب الكفارة مخيّرة من غير فصل بين المكلّفين .
وقد يعبّر عنه ب « المناسب الملغى » « 12 » .
هامش
( 1 ) . لسان العرب 2 : 2221 مادة « صلح » .
( 2 ) . المستصفى 1 : 258 .
( 3 ) . انظر : إرشاد الفحول 2 : 270 .
( 4 ) . رسالة الطوفي : 112 .
( 5 ) . انظر : لسان العرب 2 : 1507 مادة « رسل » .
( 6 ) . انظر : البحر المحيط 6 : 76 ، المنخول : 355 .
( 7 ) . انظر : البحر المحيط 6 : 76 ، إرشاد الفحول 2 : 270 .
( 8 ) . ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية : 342 .
( 9 ) . حاشية التفتازاني 3 : 578 .
( 10 ) . انظر : المستصفى 1 : 257 .
( 11 ) . انظر : المصدر السابق .
( 12 ) . الأصول العامة للفقه المقارن : 298 - 299 .