القمي ، فإنّهما بعد أن قسّما المصلحة إلى معتبرة وملغاة ومرسلة نفيا العمل بالمرسلة عن أصحابهم ، وناقشا في أدلة حجّيتها ، بل استدلا على عدمها « 1 » .
وخلاصة مذهبهم على ما ذكره بعضهم هو : أنّ المصلحة إذا كانت مستفادة من النصوص والقواعد العامة بحيث تكون من صغرياتها فهي من السنّة ، ولا وجه لعدها دليلًا آخر في مقابلها ، وإن كانت يدركها العقل ، فإذا كان أدراك العقل لها إدراكاً كاملًا - أي إدراكاً للمصلحة بجميع ما يتعلق بها من عوالم تأثيرها في مقام جعل الحكم لها من قبل المشرّع - فهي حجّة ؛ إذ ليس وراء القطع تساؤل أو استفهام ، مستشهداً بقول القمي رحمه الله : « والمصالح إمّا معتبرة في الشرع ، وبالحكم القطعي من العقل من جهة إدراك مصلحة خالية من المفسدة ، كحفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسل ، فقد اعتبر الشارع صيانتها وترك ما يؤدي إلى فسادها . . . » « 2 » .
ولكن القول بحجّيتها هنا لا يجعلها دليلًا مستقلًا في مقابل العقل .
وإن لم يكن إدراكه لها كاملًا ، بأن كان قد أدرك المصلحة واحتمل وجود مزاحم لها يمنع من جعل الحكم ، أو احتمل أنّها فاقدة لبعض شرائط الجعل - كما هو الغالب فيها ، بل لا يتوفر الإدراك الكامل إلّافي حالات نادرة ، وهي التي تكون المصلحة ذاتية - فهي حينئذٍ لا تكون حجّة ؛ إذ لا دليل على حجّيتها ، لأنّ الإدراك الناقص ليست حجّيته ذاتية ، بل هي محتاجة إلى الجعل والأدلة غير وافية بإثباته .
وبهذا يتضح أنّ الشيعة لا يقولون بالمصالح إلّاما رجع منها إلى العقل على سبيل الجزم « 3 » .
وقال المظفر ما محصّله : إنّها والاستحسان وسدّ الذرائع ، إن لم ترجع إلى ظواهر الأدلة السمعية أو الملازمات العقلية لا دليل على حجّيتها ، بل هي أظهر أفراد الظن المنهي عنه ، على أنّ الأحكام وملاكاتها لا يستقل العقل بإدراكها ابتداءً من دون السماع من مبلّغ الأحكام أو بالملازمة العقلية ، ولو صحّ للعقل ذلك لما كان هناك حاجة لبعثة الرسل ونصب الأئمة ، إذ يكون كلّ ذي عقل متمكناً بنفسه من معرفة أحكام اللَّه تعالى « 4 » .
بل ادّعى بعضهم إجماع الإمامية تبعاً لأئمتهم على عدم جواز التعويل على الدليل العقلي الظني ، كالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة ونحو ذلك ، وإنّما النزاع بينهم في مشروعية استنباط الأحكام الشرعية عن الأدلة العقلية القطعيّة « 5 » .
الثاني : جواز التمسّك بالمصالح المرسلة مطلقاً
، وهو المحكي عن مالك ، بل نسب إليه الجويني الإفراط في القول بها ، حتى جرّه إلى استحلال القتل وأخذ المال لمصالح يقتضيها في غالب الظن وإن لم يجد لها مستنداً « 6 » .
إلّا أنّ أصحابه أنكروا ذلك عنه ، بل اتهم القرطبي إمام الحرمين بالاجتراء على مالك ، والمجازفة فيما نسبه إليه من الإفراط في هذا الأصل ، وأنّ هذا لا يوجد في كتب مالك ولا في كتب أصحابه « 7 » .
ومن أنكر ذلك أيضاً ابن شاس في التحرير « 8 » .
وادّعى بعضهم أنّ لا فرق بين مالك وغيره بالنسبة إلى هذا الأصل .
فقال ابن دقيق العيد : « الذي لا شكّ فيه أنّ لمالك
هامش
( 1 ) . انظر : معارج الأصول : 221 - 224 ، القوانين المحكمة : 299 - 300 .
( 2 ) . القوانين المحكمة : 299 .
( 3 ) . انظر : الأصول العامة للفقه المقارن : 388 - 389 .
( 4 ) . انظر : أصول الفقه 3 - 4 : 207 - 208 .
( 5 ) . بحوث في علم الأصول ( الهاشمي ) 4 : 119 .
( 6 ) . البرهان في أصول الفقه 2 : 161 ، وانظر : البحر المحيط 6 : 76 ، إرشاد الفحول 2 : 270 .
( 7 ) . انظر : البحر المحيط 6 : 76 - 77 ، إرشاد الفحول 2 : 270 .
( 8 ) . انظر : المصدر السابق : 76 .