الثالث : ما لم يشهد له الشارع بالاعتبار ولا بالإلغاء
، وهذا هو المعبّر عنه ب « المصالح المرسلة » « 1 » ، و « المناسب المرسل » « 2 » والذي وقع الكلام فيه .
وخلاصة هذا التقسيم أنّ المصلحة ، إمّا معتبرة ، أو ملغاة ، أو مرسلة .
والمقصودفي هذا المقال هو الأخير دون الأولين .
2 - أقسام المصلحة باعتبار قوتها
تنقسم المصلحة باعتبار قوتها إلى مراتب هي :
الأولى : ما هي في رتبة الضرورات
، ومثِّل لها بالضرورات الخمس : حفظ الدين ، والنفس ، والعقل ، والنسل ، والمال . فهذه الأصول حفظها واقع في رتبة الضرورات ، فهي أقوى المراتب في المصالح . وأمثلة ذلك قضاء الشارع بقتل الكافر المضلّ ، وعقوبة المبتدع الداعي إلى بدعته ، لأنّه يفوّت على الخلق دينهم ، وقضاؤه بإيجاب القصاص ؛ إذ به حفظ النفوس ، وإيجاب حدّ الشرب ؛ إذ به حفظ العقول التي هي ملاك التكليف ، وإيجاب حدّ الزنا ، إذ به حفظ النسل والأنساب ، وإيجاب زجر الغصاب والسراق ؛ إذ به حفظ الأموال التي هي معاش الخلق « 3 » .
الثانية : ما يقع في رتبة الحاجات
، ومثِّل له بتسليط الولي على تزويج الصغيرة والصغير ، فذلك لا ضرورة إليه لكنه محتاج إليه في اقتناء المصالح ، ومثِّل له أيضاً بإباحة الصيد ، والتمتع بالطيبات ، وجواز المساقاة والقراض والسلم ، ونحو ذلك « 4 » .
الثالثة : ما يقع في مرتبة التحسين والتزيين ورعاية
أحسن المناهج في العادات والمعاملات ، مثل سلب العبد أهلية الشهادة ، ولكلٍّ من هذه المراتب ما يقع موقع التتمة والتكملة « 5 » .
ثالثاً : الحكم
اختلف الأصوليون في حجية الاستصلاح على مذاهب ، هي إجمالًا ما يلي :
الأول : منع التمسّك به مطلقاً .
نسبه الآمدي إلى اتفاق الفقهاء من الشافعية والحنفية وغيرهم ، واصفاً إيّاه بأ نّه الحق « 6 » ، ونسبه الزركشي إلى الأكثرين « 7 » ، والشوكاني إلى الجمهور « 8 » ، بل نُسب للشافعي قوله : « من استصلح فقد شرّع كمن استحسن ، والاستصلاح كالاستحسان متابعة للهوى » « 9 » .
وهو المعروف من مذهب الإمامية ، إذ يتلخَّص موقفهم في عدم العمل بالمصالح المرسلة ، نعم إذا حصل القطع بالمصلحة شرعاً ولو عن طريق العقل جاز العمل طبقها ، لكن لا تكون المصلحة مرسلة حينئذٍ حسب الاصطلاح .
ويستفاد موقفهم ممّا ذكره المحقّق الحلّي والميرزا
هامش
( 1 ) . انظر : البحر المحيط 6 : 76 .
( 2 ) . الإحكام ( الآمدي ) 1 - 2 : 249 .
( 3 ) . المستصفى 1 : 258 ، الموافقات 2 : 8 - 10 ، أصول الفقه ( الخضري بك ) : 300 - 301 .
( 4 ) . المستصفى 1 : 258 ، الموافقات 2 : 10 - 11 ، أصول الفقه ( الخضري بك ) : 301 .
( 5 ) . انظر : المستصفى 1 : 259 ، الموافقات 2 : 11 - 12 .
( 6 ) . الإحكام 3 - 4 : 394 .
( 7 ) . البحر المحيط 6 : 76 .
( 8 ) . إرشاد الفحول 2 : 270 .
( 9 ) . مصادر التشريع الإسلامي : 89 .