يمثِّل للأول ذات طابع الكشف : بالكتاب ، والسنّة ، والإجماع ، والعقل ، والقياس ، والاستحسان ، والمصالح المرسلة ، وسدّ الذرائع ، والعرف ، وشرع من قبلنا ، ومذهب الصحابي . ويمثِّل للثاني ذات طابع الكشف عن الحكم الواقعي التنزيلي : بالاستصحاب « 1 » .
وعلى هذا يتأخَّر الاستصحاب عن كلِّ ما يصنَّف في القسم الأوَّل ، ويتَّخذ الرتبة الثانية عشر ؛ بناءً على الأخذ بجميع ما يصنَّف في القسم الأوَّل .
وعدَّ صفي الدين البغدادي الحنبلي الاستصحاب الرابع في المرتبة بعد القرآن والسنّة والإجماع ، ويبدو أنَّه عدَّه من مصاديق أدلَّة العقل ، واعتبر هذه الأصول الأربعة ممَّا لا خلاف فيها « 2 » . وكذلك فعل ابن قدامة مع اعتباره الاستصحاب دليلًا عقلياً « 3 » .
أمَّا ابن جزّي فعدَّ الأدلَّة المختلف فيها إلى عشرين ، واعتبر الاستصحاب واحداً منها « 4 » .
اعتبر الشوكاني الاستصحاب من ضمن أنواع الاستدلال ، ويقصد بالاستدلال ما ليس بنصٍّ ولا إجماع ولا قياس ، ثمَّ ذكر اختلاف الأصوليين في عدِّ أنواعه « 5 » .
وفي ترتيب الأدلَّة صنَّفه البرديسي ثامن دليل شرعي بعد الكتاب والسنّة والإجماع والقياس والاستحسان والمصالح المرسلة والعرف ، واعتبره من ضمن الأدلَّة المختلف فيها « 6 » .
عبد الكريم النملة صنَّفه الأوَّل من الأدلَّة المختلف فيها ، والخامس من كلِّ الأدلَّة الاثني عشر بعد الكتاب والسنّة والإجماع والقياس « 7 » .
يقول محمد أبو زهرة : إنّ الاستصحاب يؤخذ به حيث لا دليل ، ولذلك وسَّع نطاق الاستصحاب الذين حصروا الأدلَّة في أقلّ عدد ، فنفاة القياس وسَّعوا في الاستدلال به ، فالظاهرية والإمامية وسَّعوا في الاستدلال به ، وأثبتوا به الأحكام في مواضع كثيرة لم يثبتها فيه جمهور الفقهاء الذين أثبتوا القياس ، فكلّ موضع فيه قياس أخذ به الجمهور قد أخذ الظاهرية في موضعه بالاستصحاب ، والشافعي الذي لم يأخذ بالاستحسان كان أكثر أخذاً بالاستصحاب من الحنفية والمالكية ، لأنَّه في كلِّ موضع كان للعرف أو الاستحسان فيه حكم كان محلّه عند الشافعي الاستصحاب « 8 » .
يُشكِل السيّد محمد تقي الحكيم على بعض الأصوليين في ترتيب الأدلَّة وتصنيفها الطبيعي قائلًا : « وعلى كثرة ما كتب الأصوليون في القواعد والأصول إلَّاأ نّهم لم يلاحظوا وضع بعضها في موضعها الطبيعي من بابها الخاص ، بل خلطوا بينها ، فأدخلوا بعض ما ينتج الحكم الكلّي ضمن ما ينتج الوظيفة وبالعكس » « 9 » .
وعلى ما يبدو فإنَّ من المسلَّم به تقدُّم الأمارة على الاستصحاب بناءً على كونه أصلًا لا أمارة ؛ لكون الأمارة ذات طابع كشف عن الحكم الواقعي بينما أقصى ما للاستصحاب من دلالةٍ هو كونه ذا طابع الكشف عن الواقع التنزيلي ، ومع قيام الأمارة وانكشاف الواقع تعبُّداً لا يبقى
هامش
( 1 ) . الأصول العامة للفقه المقارن : 80 ، 87 .
( 2 ) . قواعد الأصول : 14 ، 30 - 31 .
( 3 ) . روضة الناظر : 79 .
( 4 ) . تقريب الوصول : 113 .
( 5 ) . إرشاد الفحول 2 : 251 .
( 6 ) . انظر : أصول الفقه : 163 - 165 ، 319 .
( 7 ) . الجامع لمسائل أصول الفقه : 375 .
( 8 ) . أصول الفقه : 304 .
( 9 ) . الأصول العامة للفقه المقارن : 79 .