ومنها : الحكم بما رآه الحاكم أصلح في العاقبة وفي الحال . « 1 »
التعاريف تعكس مدى الاختلاف في تحديد ماهية الاستحسان ، ورغم كثرتها لا تستطيع أن تعكس انطباعاً جامعاً ومانعاً للاستحسان ، ويبقى معناه يحتفُّ بابهامات غير قليلة ، كما أنَّ هناك مناقشات ترد على كلٍّ منها .
ويرى بعض أنَّ هذه التعاريف ليس فيها ما يدعو إلى جعل الاستحسان دليلًا ، له استقلاله الذاتي في مقابل بقية الأدلَّة ، إذ إنَّ قسماً منها يمكن إرجاعه إلى الكتاب والسنّة ، وقسماً منها إلى القياس ، وثالثاً إلى حكم العقل ، ورابعاً إلى المصالح المرسلة ، فلا وجه ، فيما يبدو ، لعدِّه من الأدلة المستقلة وفي عرضها « 2 » .
وقد أرجع بعض الاختلاف في الاستحسان إلى نزاع لفظي ؛ لأنَّه إن كان من قبيل ما استحسنه المجتهد بلا دليل فلا يقول به أحد ، وإن كان من باب ترجيح أحد الدليلين أو تخصيص القياس لدليل ، فلا يختلف فيه أحد « 3 » .
بل يرى بعض أنَّ إفراد بحث مستقل للاستحسان ممَّا لا فائدة فيه ؛ لأنَّه إن كان عائداً إلى الأدلَّة الأخرى فلا داعي للتكرار ، وإن كان خارجاً عنها فهو غير مشروع « 4 » . بل قد يعدُّ بحثه ترفاً فكرياً لا داعي له ، إلَّاإذا كانت هناك ضرورة من قبيل بيان رأي المذهب في هذه الآلية الأصولية .
سبب التسمية بالاستحسان
يرى أبو الحسن البصري المعتزلي : أنَّه رغم إطلاق الاستحسان على الشهوة والاستخلاء ، لكن قد يطلق على العلم بحسن الشيء ، فيقال : فلان يستحسن القول بالتوحيد والعدل ، وقد يطلق على الاعتقاد والظن بحسن الشيء . فإذا ظنَّ المجتهد الأمارة واقتضاه ذلك أن يعتقد حسن مدلولها جاز أن يقول : قد استحسنت هذا الحكم .
فصحَّ فائدة هذه التسمية وجاز الاصطلاح منهم على التسمية « 5 » .
والسرخسي بعد ما يؤكِّد على كون الاستحسان نوع قياس ، لكنَّه خفي قوي الأثر ، يشير إلى التسمية ويقول :
فيسمى استحساناً ، أي : قياساً مستحسناً « 6 » .
ويشير علاء الدين البخاري إلى سبب التسمية بالاستحسان رغم تصنيفه إيّاه ضمن القياس ويقول :
ويسمَّى استحساناً لا قياساً للإشارة إلى أنَّه الوجه الأولى في العمل به ، وأنّ العمل بالآخر جائز كما جاز العمل بالطرد ، وإن كان الأثر أولى منه « 7 » .
ثانياً : الألفاظ ذات الصلة
القياس
القياس هو إلحاق مسألة غير منصوص على حكمها الشرعي بمسألة منصوص على حكمها ؛ للاشتراك بينهما في العلَّة « 8 » ، وعلى العموم يدعى إلحاق جزئيات بقاعدة عامة قياساً . والاستحسان بمثابة الاستثناء لهذه القاعدة
هامش
( 1 ) . الإحكام ( ابن حزم ) 5 - 8 : 192 .
( 2 ) . الأصول العامة للفقه المقارن : 349 .
( 3 ) . انظر : البحر المحيط 6 : 89 - 90 .
( 4 ) . إرشاد الفحول 2 : 269 .
( 5 ) . المعتمد 2 : 297 .
( 6 ) . المبسوط ( السرخسي ) 10 : 145 .
( 7 ) . كشف الأسرار 4 : 7 - 10 .
( 8 ) . نظرية الاستحسان : 42 ، وانظر : أثر المصلحة في التشريعات : 152 .