3 - هل المستحب مأمور به ؟
قد اختلف الأصوليون في ذلك على رأيين :
الرأي الأول :
أنّ المستحب مأمور به مجازاً لا حقيقة .
وهو لجمهور الحنفية « 1 » ، وبعض من الإمامية « 2 » ، قال الرازي : لا نسلّم كون المستحب مأموراً به حقيقة بل مجازاً « 3 » .
وقد استدلّ لهذا الرأي بالوجوه التالية :
الأول : الأمر حقيقة في قول : ( افعل ) ، وافعل حقيقة في الإيجاب دون غيره ، وعلى ذلك يكون الأمر حقيقة في الوجوب ، فلا يكون حقيقة في غيره وهو الندب « 4 » .
الثاني : لو كان المندوب مأموراً به لكان تركه معصية ؛ لأنّ فيه مخالفة الأمر ، مع أنّ الاتّفاق على عدم تأثيم تارك المندوب ، فلا يكون مأموراً به لذلك « 5 » .
الثالث : قول النبي صلى الله عليه وآله : « لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كلّ صلاة » « 6 » ، والسواك عند الوضوء مندوب بالاتفاق ، وهو غير مأمور به بنص الحديث ، فكان المندوب غير مأمور به لذلك « 7 » .
الرابع : قوله تعالى :
« فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ . . . »
« 8 » فقد تضمّنت هذه الآية وعيداً شديداً لمن خالف الأمر ، والمندوب لا يستلزم مخالفته مثل ذلك « 9 » .
الخامس : أنّ الندب تخيير بدليل جواز تركه ، فالمكلّف مخيّر بين الفعل والترك ، بينما الأمر استدعاء وطلب . والتخيير والطلب متنافيان « 10 » .
الرأي الثاني :
أنّ المستحب مأمور به حقيقةً .
وهذا مذهب جمهور الشافعية « 11 » والقاضي الباقلاني « 12 » ، ومعهم المالكية « 13 » والحنابلة « 14 » وبعض من الإمامية كالعلّامة الحلّي « 15 » والشيخ محمد حسن النجفي « 16 » ، وبه قال أبو هاشم وغيره ، ونقله ابن القشيريّ وغيره عن المعتزلة « 17 » ، وقد استدلّ لهذا الرأي بوجوه :
الأول : أنّ فعل المندوب يسمى طاعة وعبادة من العبادات التي يثاب الإنسان على فعلها بالاتفاق ، وليس
هامش
( 1 ) . انظر : فواتح الرحموت 1 : 111 ، أصول السرخسي 1 : 15 .
( 2 ) . مدارك الأحكام 7 : 245 - 246 ، زبدة الأصول ( البهائي ) : 75 .
( 3 ) . المحصول 1 : 215 .
( 4 ) . انظر : المحصول ( الرازي ) 1 : 227 - 228 ، فواتح الرحموت 1 : 111 .
( 5 ) . انظر : المحصول ( الرازي ) 1 : 208 ، فواتح الرحموت 1 : 111 .
( 6 ) . سنن ابن ماجة 1 : 105 كتاب الطهارة وسننها ، باب ( 7 ) السواك ح 287 ، الكافي 3 : 22 كتاب الطهارة ، باب السواك ح 1 باختلاف يسير .
( 7 ) . انظر : المحصول ( الرازي ) 1 : 218 - 219 ، الإحكام ( الآمدي ) 1 - 2 : 104 - 105 ، فواتح الرحموت 1 : 111 .
( 8 ) . النور : 63 .
( 9 ) . انظر : روضة الناظر : 21 .
( 10 ) . انظر : المحصول ( الرازي ) 1 : 220 - 221 .
( 11 ) . الإحكام ( الآمدي ) 1 - 2 : 104 - 105 ، البحر المحيط 1 : 286 .
( 12 ) . انظر : التقريب والإرشاد 1 : 291 - 292 ، ونسبه إليه الزركشي في البحر المحيط 1 : 286 .
( 13 ) . إحكام الفصول : 210 - 211 ، منتهى الوصول : 39 ، شرح مختصرالمنتهى 2 : 214 .
( 14 ) . العدّة في أصول الفقه ( أبي يعلى ) 1 : 85 ، شرح مختصر الروضة 1 : 354 ، المسوّدة : 7 ، فواتح الرحموت 1 : 111 .
( 15 ) . مختلف الشيعة 4 : 48 .
( 16 ) . جواهر الكلام 35 : 377 .
( 17 ) . انظر : البحر المحيط 1 : 286 .