رابعاً : الحكم
1 - حكم المستحب بعد الشروع فيه
جرى البحث هل يجب إتمام المندوب بعد الشروع فيه ، أم لا يجب ؟ فظهر قولان :
الأول : عدم وجوب إتمامه
، وهو قول الإمامية « 1 » والكثير من السنّة « 2 » ، ومنهم الشافعية « 3 » .
الثاني : وجوب إتمام مطلق المستحب
، وهو قول بعض المالكية « 4 » ، والأحناف « 5 » ، قالوا يلزم إتمامه بالشروع فيه ، فلو شرع في صلاة نافلة أو صوم نفل فإنّه يلزمه أن يتمادى ويمضي إلى آخره ، وإذا قطعه فإنّه يُطالب بالقضاء .
وقد استدلّ له بوجوه :
أ - قوله تعالى :
« وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ »
« 6 » إنّه نهي والنهي للتحريم ، فإذا ما تلبّس بالمندوب فقد تلبّس بالعمل ، فوجب عليه صيانته ، وهي تتم بإتمامه « 7 » .
ب - إنّ النفل ينقلب واجباً بالنذر ، فيجب أداؤه مع أنّه مجرد اللفظ ، فإذا كان مجرد اللفظ ينقل العمل من مندوب أو مباح إلى واجب ، فأولى أن ينقل الشروع ذلك إلى الواجب « 8 » .
وقد ردّ الاستدلال الأوّل : بأنّ النهي هنا لم يتعيّن للتحريم ، كما أنّه لم يتعيّن للأعمال المندوبة ، فوجب حمله على الواجبات توفيقاً بين الأدلّة ، ولذلك لم يبق فيه حجّة للحنفية .
كما ردّ الثاني بأنّنا نوافق على أنّ ما أدّاه الإنسان من المندوب صار للَّهتعالى ، وأنّ ذلك لايتمّ إلّابلزوم الباقي ، ولكنّنا نخالفهم في الباقي ، ونقول : إنّ إبطال ما صار للَّه تعالى جائز ، لأنّ للإنسان أن لا يفعله أولًا ، فيكون له أن يبطله بعدد فعله ، فلم يكن الإتمام لازماً لذلك .
ومحلّ الخلاف ما عدا الحج والعمرة ، فأمّا إتمامهما بعد الشّروع فيهما فهو واجب « 9 » ، قال ابن أبي جمهور : والنفل لا يجب بالشروع فيه ، إلّاالحج والعمرة إجماعاً « 10 » .
وقد اختلف الإمامية في وجوب إتمام الاعتكاف بعد الشروع فيه . وقد تحدّث الشهيد الأول عن هذا بقوله :
« وفي الاعتكاف للأصحاب ثلاثة أوجه : الوجوب بالشروع ، والوجوب بمضي يومين ، وعدم الوجوب ، وأوسطها وسطها » « 11 » .
ولايمثّل وجوب الإتمام في هذه الموارد انتقاضاً للأصل القائل بعدم وجوب إتمام المستحبّ بعد
هامش
( 1 ) . القواعد والفوائد 1 : 99 ، نضد القواعد الفقهية : 186 ، الحدائق الناضرة 8 : 123 .
( 2 ) . شرح الكوكب المنير : 127 ، شرح الجلال المحلّي 1 : 149 .
( 3 ) . انظر : التلويح إلى كشف حقائق التنقيح 2 : 273 - 274 .
( 4 ) . انظر : حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 2 : 172 - 187 ، منحالجليل 2 : 216 .
( 5 ) . انظر : بدائع الصنائع 3 : 72 ، كشف الأسرار ( البخاري ) 2 : 570 ، التوضيح شرح التنقيح 2 : 274 ، شرح المنار : 590 ، شرح الكوكب المنير : 127 ، حاشية الرهاوي : 590 .
( 6 ) . محمد : 33 .
( 7 ) . التوضيح شرح التنقيح 2 : 274 .
( 8 ) . التوضيح شرح التنقيح 2 : 274 - 275 .
( 9 ) . راجع : القواعد والفوائد 1 : 99 ، شرح الكوكب المنير : 127 ، نضدالقواعد الفقهية : 186 ، شرح الجلال المحلّي على جمع الجوامع 1 : 153 - 154 ، الحدائق الناضرة 8 : 123 .
( 10 ) . الأقطاب الفقهية : 76 .
( 11 ) . القواعد والفوائد 1 : 99 .