الثالث : لا فرق بين قول القائل : ( ألف غير تسعمئة وتسعة وتسعين ) ، وبين قوله : ( واحد ) ، ولا فرق بين قول القائل : ( سبع مئة وثلاثمئة ) ، وبين قوله : ( ألف ) . وهذا كلّه من المتلائمات ، وهي ألفاظ مختلفة معناها واحد . وإذا كان ذلك فلا فرق بين استثناء ثلاثمئة من ألف ؛ لأنَّها بعض الألف ، وبين استثناء تسعمئة وتسعة وتسعين من الألف أيضاً ؛ لأنَّها بعض الألف ، ولا فرق « 1 » .
أدلّة المانعين
يمكن أن يستدلَّ المانعون بالأمور التالية :
الأوّل : أن يمنعوا منه ؛ لأنَّه لا يفهم منه المراد .
الثاني : أنَّه غير مستعمل في اللغة .
الثالث : أنَّ الحكمة تمنع من ذلك ، فالاستثناء للاختصار أو للاستدراك ، وفي هذا النوع من الاستثناء إطالة ، كما أنَّه لم تجرِ العادة على استثناء الكثير .
ويرد عليه
أمّا الأوّل ، فإنّ السامع يفهم المراد من قول : ( لزيد عليَّ عشرة دراهم إلَّاتسعة ) .
وأمّا الثاني من كونه غير مستعمل فدعوى ، وعدم نقله في اللغة أو نقله نادراً لأجل أنَّ الحاجة إلى هكذا استثناء نادرة ؛ ولهذا ندر في كلامهم ، فلم يُنْقَل أو نُقِلَ نادراً « 2 » .
مضافاً إلى وروده في القرآن في الآية :
« إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ »
« 3 » ، ثمَّ قال :
« قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ »
« 4 » ، فاستثنى الغاوين من العباد ، والعباد من الغاوين ، وأيّهما كان أكثر فقد استثناه من الآخر « 5 » .
وأمّا الثالث ، فعلى الرغم من أنَّ الحكمة تقتضي عدم استثناء الأكثر غالباً ، فإنّه أحياناً يتّفق خلافه ؛ لسبق لسان أو ما شابه « 6 » .
نعم ، هو ركيك ، وهذا لا يعني عدم الصحّة ، فقد يقال :
( إلَّا تسع سدس ) و ( خمس سبع ) و ( سبع سدس ) ، فهذا ركيك ، إلَّاأنَّه مقبول ، نعم لا يصدر مثله عن الشارع ؛ لركاكته ، لا لتناقضه « 7 » .
لكنَّ الصحيح أنَّ الخلاف في أنَّ هذا الاستثناء ليس بمستحسن في اللغة عند العامّة ؛ لأنَّه لاستدراك الغلط في الأصل ، ومثل هذا الغلط نادر « 8 » ، أو أنَّ هذا الاستثناء مستكره وإن كان صحيحاً ، فإذا قال : ( عليَّ عشرة إلَّاتسعة ) فلا يلزمه باتّفاق الفقهاء إلَّادرهم « 9 » .
حدّ القليل
ثمَّ المانعون لاستثناء الأكثر اختلفوا في حدّ القليل
هامش
( 1 ) . الإحكام ( ابن حزم ) 1 - 4 : 428 .
( 2 ) . انظر : المعتمد 1 : 244 - 245 .
( 3 ) . الحجر : 42 .
( 4 ) . ص : 82 - 83 .
( 5 ) . انظر : التبصرة : 169 ، اللمع : 97 - 98 الواضح في أصول الفقه 4 ق 1 : 479 ، روضة الناظر : 133 ، أصول الفقه ( ابن مفلح ) 3 : 916 .
( 6 ) . انظر : المعتمد 1 : 245 .
( 7 ) . انظر : المنخول : 158 .
( 8 ) . ميزان الأصول 1 : 459 .
( 9 ) . المستصفى 2 : 77 .