رابعاً : الحكم
لا شبهة في دلالة الاستثناء المتّصل على اختصاص الحكم - سلباً أو إيجاباً - بالمستثنى منه ، ولا يعمّ المستثنى « 1 » .
وأمّا المنقطع ، فباعتباره لا استثناء فيه ولا إخراج ، فلا يعتبر مخصِّصاً ، وإنّما سمّي استثناءً مجازاً ، بل أنكر بعضهم تسميته استثناءً ، لا حقيقةً ولا مجازاً « 2 » . لكن الموارد التالي ذكرها وقعت موضع نقاش الأصوليين :
1 - استثناء الأكثر
ذهب أكثر المحصّلين من الفقهاء والمتكلّمين وأهل اللغة إلى صحّة استثناء الأكثر « 3 » ، حتَّى إنَّه لو قال : ( له عليَّ عشرة إلَّاتسعة ) لم يلزمه سوى درهم واحد « 4 » .
وذكر القاضي أبو بكر : أنَّ شرط صحّة الاستثناء أن يكون مضمونه أقلَّ من نصف المستثنى منه ، ولم يتمسَّك إلَّا باستبعاد أنَّ العرب تستقبح استثناء الأكثر « 5 » .
وأحمد بن حنبل « 6 » وأتباعه الحنابلة « 7 » منعوا هذا النوع من الاستثناء ، وذُكِرَ أنَّ للشافعي فيه قولين « 8 » .
وهناك مذهب آخر ( ثالث ) ، وهو : التفصيل بين أن يكون العدد صريحاً ، فلا يجوز استثناء الأكثر ، نحو : ( عشرة إلَّا تسعة ) ، وبين غيره ، فيجوز نحو : ( خذ الدراهم إلَّاما في الكيس الفلاني ) وكان ما في الكيس أكثر من الباقي « 9 » .
والسيد الخوئي يفصِّل بنحو آخر ؛ إذ يقول : « عموم المستثنى منه : تارةً يكون من قبيل القضايا الخارجية ، والملحوظ في الحكم هو الأفراد الخارجيين ، فلا شكّ في قبح هكذا استثناء ، كما لو قيل : ( قتل جميع العسكر إلّابني تميم ) وكان في العسكر من غير بني تميم رجل أو رجلان ، أي أنّ المقتول رجل أو رجلان ، فهذا مستهجن .
وتارةً أخرى يكون العموم الوارد في المستثنى منه على نحو القضايا الحقيقة ، والحكم ناظر فيه إلى الموضوع المقدّر لا الأفراد الخارجيين ، فالتخصيص عندئذٍ غير مستهجن مهما بلغ المستثنى ؛ لعدم لحاظ الخارج » ، واعتبرَ هذا قاعدة كلية في تخصيص الأكثر « 10 » .
أدلّة المجوّزين
الأوَّل : أنَّ استثناء الأكثر في المعنى المقصود كاستثناء الأقلّ ، فيجب جوازُه .
الثاني : أنَّ الاستثناء كالتخصيص في المعنى ، فإذا جاز أن يُخصَّص الأكثر جاز أن يستثنيه « 11 » .
هامش
( 1 ) . كفاية الأصول : 209 ، وانظر : إرشاد الفحول 1 : 492 .
( 2 ) . انظر : البرهان في أصول الفقه 1 : 139 ، الوجيز في أصول التشريعالإسلامي : 184 .
( 3 ) . انظر : العُدّة في أصول الفقه ( الطوسي ) 1 : 315 - 316 ، الواضح فيأصول الفقه 4 ق 1 : 475 ، روضة الناظر : 133 ، نهاية الوصول ( العلّامة الحلّي ) 2 : 249 ، أصول الفقه ( ابن مفلح ) 3 : 914 ، تمهيد القواعد : 202 ، زبدة الأصول ( البهائي ) : 136 - 137 .
( 4 ) . الإحكام ( الآمدي ) 1 - 2 : 501 - 502 ، الإبهاج في شرح المنهاج 2 : 147 ، نهاية الوصول ( العلّامة الحلّي ) 2 : 249 .
( 5 ) . البرهان في أصول الفقه 1 : 143 ، المستصفى 2 : 76 ، نهاية الوصول ( العلّامة الحلّي ) 2 : 249 ، التحبير شرح التحرير 6 : 2574 .
( 6 ) . إرشاد الفحول 1 : 491 .
( 7 ) . الواضح في أصول الفقه 4 ق 1 : 475 ، الإحكام ( الآمدي ) 1 - 2 : 502 ، نهاية الوصول ( العلّامة الحلّي ) 2 : 249 ، وأصول الفقه ( ابن مفلح ) 3 : 913 .
( 8 ) . انظر : البحر المحيط 3 : 290 .
( 9 ) . انظر : الإحكام ( الآمدي ) 1 - 2 : 503 ، الإبهاج في شرح المنهاج 2 : 148 ، البحر المحيط 3 : 291 ، التحبير شرح التحرير 6 : 2574 .
( 10 ) . مصباح الأصول 2 : 537 - 538 .
( 11 ) . الذريعة 1 : 247 ، وانظر : اللمع : 98 .